ماضي مناهجنا
بمشيئة المولى وانتشار الحياء والاحتشام وأيضاً الخجل (والحياء شعبة من الإيمان)، قلّت مسألة الاستحواذ على ممتلكات الدولة. ولم تعد مثل ما كانت عليه أيام الفورة المالية.
فقبل عقود تداولَ الناس قصة مبنى حكومي قائم استولى عليه مجموعة من الرجال. واحد أو أكثر من أولئك الرجال الذين ترددت اسماؤهم رجل وعظ وإرشاد. ويُفترض فيه ألا يحلل لنفسه عقاراً ذا منفعة عامة. ولولا انتباه بعض الأخيار لذهب أصحاب من يدعون أنهم حملة الوازع الديني بغنيمتهم، موجدين أسباباً تبدو شرعية وهي حيلة ومخاتلة للنظام وأهله.
وفي السنين الأخيرة تردد وتكرر لفظ "ضعف الوازع الديني" كسبب لانتشار العنف العائلي وانتشار المخدرات والعبث بالسيارات في الشوارع (التفحيط)، والتحرّش الجنسي والتسكع في الأسواق، وتطول قائمة المنكرات.
ويحق لسائل أن يسأل عن مدى كفاية ما قمنا بتدريسه لأولئك منذ الصغر من العلوم الدينية والواجبات اليومية. فمنذ تأسس التعليم ومواد الدين تلاحق الطالب من الابتدائية وحتى البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، ولا يوجد فرع من فروع الفقه والتوحيد والحديث إلا وانتشر – والحمد لله – في مدارسنا وجامعاتنا. ولنا الأعلوية والتفوّق على غيرنا من دول الجوار في استلهام علوم الدين – وهذا شيء يجب علينا أن نبتهج به، أو هو باعث على الفخر.
ولا أدري، إذاً ، لماذا نستجمع تلك العبارة عندما نتحدث عن منكرات ارتكبت في المجتمع وننسبها إلى ضعف الوازع الديني؟! فإما أن برامجنا ونحن صغار كانت تلقيناً وحفظاً أو أننا نسيناها، وكانت المواد الدينية في الابتدائية كثيرة ومتتالية لدرجة أن الصغار كانوا يرددون الجدول ( قرآن- توحيد – فسحة . قرآن فقه طلعة)
وأخلاق الدين مِسْطرة نقاء، تدخل فيها الوطنية والتعفف عن الامتياز على حساب الغير. لكن البعض - للأسف - جعلها خطوطاً متعرجة تدخل من هنا وتخرج من هناك.
وظاهرة الجرأة على الاستحواذ على المال العام، عقاراً وتنفيذاً سيئاً، أو "لا تنفيذ" بتاتاً، أصبحت تُمثل (ثقافة) في الوطن العربي. وتطوّرت من السرية إلى العلن، وتكاد تتحرر من القيود الدينية بل والطبيعية الاجتماعية والوطنية، وربما تُصبح جزءاً لا يتجزأ من المهارة العملية أو (البزنيس إيثيكس).
والسرقة قديماً كانت ممارسة فردية منبوذة، ومع الزمن أصبحت ممارسة جماعية مؤطّرة. وصاحبها يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
إذا كانت كل تلك القتامة والقسوة والمصاعب التي يعاني منها الوطن العربي هي بسبب ضعف الوازع الديني فثمة عيب في مناهجنا التعليمية..
*نقلاً عن صحيفة الرياض