.
.
.
.

مأساة أم في دار المسنين

سكينة المشيخص

نشر في: آخر تحديث:

هناك ثغرات اجتماعية ليس لها من مبرر على الإطلاق، وتسمح بنفاذ إشكاليات عميقة في نظامنا الاجتماعي، بعضها بجهل من البعض، وأخرى مع سبق الإصرار والترصد في غياب تام للوعي الإنساني والديني والأعراف الاجتماعية، وفي جميع الأحوال ندخل في دوامة من الصراع النفسي حول مترتبات الأخطاء الاجتماعية التي تقذف إلينا قصصا واقعية غاية في السوء.

اطلعت مؤخرا على قصة خبرية لسيدة أفنت شبابها في تربية أبنائها ورعايتهم، فيما انتهى بها الحال وحيدة في دار المسنين، بعد حياة قاسية مع والدهم قررت معها طلب الانفصال الذي حصلت عليه، وكان نتيجة ذلك اتساع الفجوة بينها وبين أبنائها الذين لم ينصفوها، على حد قولها.

تقول السيدة إن سيطرة والدهم الظالمة وسكوتها المستمر جعلهم يتمادون عليها باستمرار وينتهجون نهج والدهم في تعنيفها، هنا بالضرورة نضع أكثر من سطر على تعنيفها، فهو يعقل موضوعيا من الزوج، أما من الأبناء فذلك يضعنا في حالة التباس ذهني لا يمكن تصوره، أيّا كان حجم السيطرة الأبوية على تفكيرهم تجاه والدتهم لأن الفطرة تأبى وترفض الاتجاه للأم على هذا النحو غير اللائق.

مبررات الأولاد في تعنيفهم لأمهم تعود إلى المحافظة على الصورة العائلية بعدم انفصالها من والدهم مهما اشتد ظلمهم لها، ولكن الأسوأ هو أن يمارسوا عنفا عليها وترتحل إلى دار المسنين، فذلك أسوأ الصور الإنسانية والاجتماعية إن كانوا يحرصون على صورة زاهية في خارجها وفي باطنها آلام ومعاناة.

لا يمكن لأي صورة اجتماعية أن تكون مقبولة على حساب متاعب الأم، وارتكاب رذيلة العنف بحقها تحت أي مبرر ضرب من الخروج من أوسع أبواب الرحمة والسلام الداخلي والرقي الإنساني، وما يمكن أن يثير القلق من التحولات الاجتماعية السلبية هو أن تبرز مثل هذه الحالات دون معالجات مهنية وعلمية لخبراء الاجتماع.

أشكال العنف التي تتعدد وتطال المرأة والطفل كثيرة، وقصصها تطفح أسى وألما، ولذلك نحتاج لما هو أكثر من احتضان الضحايا، بالتحول إلى الوعي المجتمعي الذي يعاني من خلل في تقييم وتقويم الأمور وخروجها عن السيطرة في بعض الأحيان، المطلوب توازن في السلوك الفردي داخل المنظومة الاجتماعية بحيث تتم مراعاة الأولويات والجوهر وليس المظهر.

تلك الحالة مؤشر لخلل في فكرنا تجاه الأولويات التي يتم فها تجنيب الأم أي أضرار أو مظاهر عنف، بل وحمايتها لكل ما يخترق سلامتها النفسية، فالفطرة السليمة ترفض أي أضرار قد تلحق بها، لأنها الأصل الإنساني وغيرها فروع لا يمكن تقديمهم عليها، ذلك ضد المنطق وغير قابل للاقتناع به.

*نقلاً عن صحيفة اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.