انتفاضة دولة

فهد الدغيثر
فهد الدغيثر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

فوجئت كغيري فجر أمس (الأربعاء) بحزمة من القرارات الكبرى المتصلة بتراتيب الحكم في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى تعيينات أخرى جديدة.

تذكرت لحظتها ما أصم آذاننا من تصريحات علنية وأخرى مسربة من إعلاميين ومن رؤساء دول شقيقة قبل عامين مفادها بأن المملكة دولة هرمة، وأنها قد أصبحت عصية على التطور.

كانوا يرددون أسطوانة تداول السلطة؛ مستندين إلى أوهام وجود صراع داخلي تحت أروقة الحكم في المملكة بعد أبناء الملك عبدالعزيز؛ واستناداً إلى ذلك فالمراهنة على المملكة أمر يعتريه الكثير من المخاطر بحسب زعمهم -طبعاً أوضحت الأيام أن لا شيء من هذا القبيل موجود-، فبعد وفاة الملك عبدالله -رحمه الله- دخل الأمير محمد بن نايف إلى سلم الحكم عبر مبايعته ولياً لولي العهد. بالأمس وبعد تنازل الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولي العهد وصل الأمير الشاب الآخر محمد بن سلمان إلى الترتيب؛ ليتبوأ منصب ولي ولي العهد.

بين عمر الملك سلمان وبين عمر ولي عهده ٢٥ عاماً وبين عمر ولي العهد وولي عهده ٢٥ عاماً أخرى. لكم أن تتصوروا هذه القفزة العظيمة في توافق أبناء المؤسس وأحفاده ومستوى الاستقرار الذي تحقق في لحظة، إذا قيس بأعمار هؤلاء الأمراء.

قرارات الملك سلمان الأخيرة، المهمة جداً، لم تقتصر على المناصب العليا فقط، بل امتدت إلى الوزارات بأكملها؛ إذ أعفي بعضهم وبعض آخر نُقل من وزارة إلى أخرى، واختيرت وجوه جديدة لمناصب متنوعة. لا يهمني هنا تقويم الأشخاص بقدر ما يهمني الحسم القوي المتمثل في سرعة اتخاذ القرارات. لعله من المبكر الحديث عن التفاصيل، لكنني سبق أن أشرت في أحد مواقع التواصل الاجتماعي أن المملكة قبل «عاصفة الحزم» لن تكون هي المملكة بعدها. الحكمة والقيادة والتنظيم المذهل الذي جاء مع إنقاذ اليمن عسكرياً بواسطة قوى التحالف، وتحت قيادة المملكة رفع من اسم المملكة عالياً ليس كدولة غنية في مواردها فقط، بل كرائدة وقائدة وصانعة للقرارات.

حصول العملية على دعم مجلس الأمن من دون اعتراض من روسيا كان نجاحاً باهراً للديبلوماسية السعودية التي تحملت العبء الأكبر في إقناع تلك الدولة بعدم الاعتراض. داخلياً أسهمت «عاصفة الحزم» على ارتفاع الروح المعنوية للمواطن، وأظهرت وأبرزت بكل وضوح الأمير محمد بن سلمان ليس فقط وزيراً للدفاع، بل بصفته قائداً محنكاً استطاع مع المسؤولين في وزارته قيادة واحدة من أهم الحروب التي خاضتها المملكة في تاريخها الحديث. انتصارات كهذه لا يمكن أن تمر مرور الكرام على رأس الحكم، ومن هنا وقعت ثقة الملك بابنه ونال القرار ترحيباً واسعاً على المستوى الشعبي، سواءً عبر المواقع أم أثناء تأدية البيعة في قصر الحكم.

على أن ذلك لا يعني نهاية المطاف في مسيرة بلادنا، بل هو بداية المشوار في واقع الأمر. أعرف قبل الخوض في التفاصيل أن استحداث مجلسي السياسة والأمن والاقتصاد والتنمية قد أتى معه بواقع إداري جديد، يعتمد على الإنجاز ولا غيره. وأعرف أن مجلس الاقتصاد والتنمية بدأ على أرض الواقع بتطبيق مبدأ الثواب والعقاب من خلال ما سمعناه من تغييرات في الوزارات المعنية بهذا القطاع، لكن المسؤوليات جسام، والمملكة دولة بحجم قارة ويتطلب ترتيب أمورها الكثير من العمل المضني.

توزيع الثروات على المناطق غير الرئيسة كما بدأنا بفعله في المنطقة الشمالية باستحداث مدينة وعد الشمال يعتبر نواة لما هو قادم. تنويع مصادر الدخل يشكل تحديات هائلة لهذا المجلس ولوزارة الاقتصاد والتخطيط -تحديداً-، أقول تحديات هائلة؛ لأنه سيتطلب اتخاذ قرارات صعبة لم يتعود عليها المواطن. لا يوجد لديَّ أدنى شك بأن من مهام المهندس عادل فقيه البدء برسم الخطط اللازمة لتحول الاقتصاد السعودي إلى اقتصاد منتج، بدلاً من ريعي باهض التكاليف.

الرعاية الصحية تحتاج إلى ثورة في مفاهيمها. المرور وتهور القيادة في المملكة، وهو الذي يشكل العبء الأكبر على مستشفياتنا؛ بسبب الحوادث التي لم يكن لها مبرر لو كنا صارمين في تطبيق الأنظمة هو الآخر بحاجة إلى الإصلاح المدروس والمبرمج. عمل كهذا سيوفر مئات البلايين على خزانة الدولة. الوضع الاجتماعي الغارق في المحافظة والانغلاق بلا داعٍ، بل فقط بسبب بعض العادات والتقاليد القديمة، وهو ما يسبب عزوف المستثمرين في قطاعات السياحة وجلب رؤوس المال، هو بحاجة إلى إعادة نظر.

جميعنا بات يدرك اليوم أن المملكة بحاجة إلى المحافظة على المال السعودي بداخلها، بدلاً من هروبه إلى الخارج. جزء كبير وراء ذلك هو عزوف المواطن عن الإنفاق في بلاده؛ بسبب تردي مستوى الخدمات.

ذلك وغيره، إضافة إلى المكانة السياسية للمملكة، والتي قد لا أكون أفضل من يتناولها، يضع المملكة اليوم في حال انتفاضة كبرى، وهي انتفاضة لم تبدأ اليوم، بل منذ بضعة أشهر. لو يتحقق لنا ما أشرت إليه وما لم أشر من مبادرات أخرى فسنكتشف الفارق بين الوضع اليوم وبين المستقبل في تقدير الموازنات ومعدلات الإنفاق الحكومي. سنكتشف بأن لدينا موارد هائلة ليس فقط مادية، بل بشرية من خلال خلق المزيد من فرص العمل المصاحبة لهذه النقلات النوعية.

كل الشكر للأمير سعود الفيصل، الأب الروحي للسياسة الخارجية على قضاء عمره المديد في خدمة بلاده بشكل لم يسبقه عليه أحد، وكل الشكر للأمير الطيار مقرن بن عبدالعزيز الذي آثر التنازل وفسح المجال لأبنائه. كل الشكر والعرفان لكل أفراد الأسرة الحاكمة ممن أسهم في ترسيخ هذا الكيان وساعد في مرونة تداول السلطة. الملك عبدالعزيز وحَّد الوطن، ولكنه وحد القلوب أيضاً وبتوفيق الله ثم بتلك القيم الرفيعة التي غرسها في أبناء أسرته، بل وفي عموم المواطنين، تمر المملكة وتمضي في مسيرتها بعيدة عن التناحر والبحث عن المكتسبات الشخصية.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.