.
.
.
.

تجربة (البنقّلة) – الله لا يعيدها –

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

بحكم أنني من هواة أكل الأسماك بين الحين والآخر، فقد نصحني أحد المحترفين في هذا المجال قائلا: إذا أردت أن تأكل السمك (فرش) وعلى أصوله فيجب أن تذهب إلى (البنقلة) بعد صلاة الفجر مباشرة.

وبما أنني عبد النصائح، فما أن طويت سجادتي في منزلي حتى امتطيت سيارتي وما ردني إلا سوق البنقلة.

ونزلت أجر أقدامي، ولاحظت أن المسألة وكل ما فيها هي (مزايدات X مزايدات)، وأغلب من يشتري هم أرباب المطاعم، حيث إنني أريد سمكة معينة أو اثنتين على الأكثر دون جدوى، وكلما أتيت إلى بائع لكي أختار رفض ذلك قائلا: يا تأخذها كلها (شيله بيله) أو دور الباب، طبعا من الصعب أن أعود خالي الوفاض، خصوصا أنني ضحيت بفراشي الدافئ وأتيت إلى هذا المكان مع نجمة الصبح، لهذا ما كان على المضطر إلا ركوبها.

وفعلا ركبتها - ودخلت في مزايدة على (شلقه) – أي مجموعة – أتى بها بعض الصيادين، ومني ومنهم ورسيت المزايدة في النهاية على حضرتي، فطلبت من البائع أن (يفصفص) لي بعضها التي أريد أن أحملها – بمعنى أن يشيل ما في داخلها ورؤوسها وجلودها وشوكها وزعانفها – وهذا هو ما حصل حيث إنه قام بذلك خير قيام، ووضعها كلها في كيس بلاستيك، وأعطيته ورقه خمسمائة ريال، وأعاد لي الباقي الذي تفاجأت بها أنها كلها أوراق نقدية مبلولة ومزنخة برائحة السمك، ومن المستحيل أن أضعها بجيبي، فرفضت أن أمسك بها طالبا منه أن يعطيني أوراقا نقدية ناشفة ونظيفة، فنظر لي باستخفاف يكاد أن يصل إلى الاحتقار قائلا لي: هذا هو الذي عندي تبغاه والا الله يسهل عليك، تضايقت من جوابه، وقلت له: إذن الله يسهل علي خلاص أنا ما أبغى البيعة كلها هات الخمسمائة، رد علي وهو يتضوحك ساخرا وغاضبا ويهز سكينه: أنت بعقلك والا (تتسوطر) علي؟!، البيعة (حاصلة حاصلة) والمبلغ عندي و(إيش ما يكون يكون).

بعدها رجع لي عقلي قليلا، وكنت أمام خيارين، إما أن آخذ النقود المزنخة أو أتركها له، ورضيت بالخيار الثاني تاركا له أكثر من (85) ريالا، الله لا يهنيه فيها، بل إنني من الآن اعتبرها (دفاعة بلا) عن نفسي، وصدقة عن أرواح والدي ووالدتي وأختي وإخواني الثلاثة الراحلين.

ومما أغضبني حقا أنني بعد أن استدرت حاملا الكيس بيدي وبعد عشر خطوات تقريبا، وإذ به ينادي علي بصوته الأجش المرتفع قائلا بما معناه: تعال الله يرضى عليك أبغى (أشمك) أشوف أنت متعطر بأيه؟!، وزاد في غضبي أكثر أن جيرانه أخذوا يضحكون، وفكرت فعلا أن أرجع إليه و(ألطشه)، ولكن ألطش ايه والا ايه، فالرجل (جثه) وطول وعرض وشوارب وبيده سكين وفوقها بايعها بايعها.

وبعد أن توقفت برهة، خزيت الشيطان ونكست على أعقابي، وضحكات كل من كان بالبنقلة تشيعني حتى وصولي للسيارة.

*نقلاً عن صحيفة عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.