الشراكة المجتمعية والحداثة أرامكو نموذجاً
تنطوي أهمية الشراكة المجتمعية على ما تقدمه المؤسسات الكبرى والصغرى من خدمات اقتصادية وثقافية وتطوعية لأفراد المجتمع، بمعنى أن هذه المؤسسات ليست في طابعها الاقتصادي الرأسمالي فحسب، وإنما تتعدى إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال تعزيز القيم الثقافية والمجتمعية والرؤى التي يمكن أن تقوم عليها الأهداف الثقافية الكبرى لأي مؤسسة وفق السياق الاجتماعي العام.
المجتمعات الحديثة التي وُصفت بــ"المتقدمة" _ رغم عدم دقة الكلمة من الناحية الفكرية الأمر الذي نُقدت فلسفياً عند فلاسفة ما بعد الحداثة _ هي في طابعها العام مجتمعات ذات نزعة صناعية، شكّلت المؤسسات الصناعية والاقتصادية الكبرى سياقها الاجتماعي؛ الأمر الذي قاد، لاحقا، إلى بروز ما يسمى بــ"الحداثة"، وإذا تجاوزنا الجدل حول مفهوم الحداثة، وحاولنا الاتفاق مع مفهومها، فإن القيم العليا التي منحتها المؤسسات الاقتصادية والصناعية كانت قيماً تصب في جانب منها إلى نقل المجتمع من الناحية القيمة والثقافية، وبالطبع الاقتصادية، إلى جوانب أخرى، ولعل الشراكة المجتمعية أحد أهم المفاهيم التي أفرزتها تلك المؤسسات، فكانت عاملا من عوامل إدماج المجتمع، في غالبه، في المنظومة الثقافية العامة.
ولعل ما حصل في المجتمعات الصناعية من تأثير الشركات الكبرى كان له نسخة أصغر من خلال ما فعلته أرامكو في أعقاب تأسيسها في السعودية؛ إذ كانت _ في تصوري _ التجربة الحداثية شبه الوحيدة في مجتمعنا، إذ شكلت بعضاً من أفكار وقيم شباب المجتمع منذ الستينات، وما بعدها، حتى الآن، ولعل أحد هذه القيم هي في تعزيز مفاهيم المجتمع المدني الحديث، وما يتبعه من أمور ومسائل كثيرة كان منها الشراكة المجتمعية التي عملت عليها أرامكو منذ سنوات في دعم المشاريع الاقتصادية والثقافية والبيئية والتطوعية وغيرها.
هل تشكل أرامكو _بوصفها تجربة حداثية _ النموذج الوحيد في السعودية من ناحية تحقيقها للشراكة المجتمعية؟
في رأيي أنها ليست الوحيدة في ذلك إذ تعضدها بعض الشركات الأخرى أو الإدارات كتجربة معهد الإدارة في الرياض وبعض الجامعات السعودي بنسبة أقل، إلا أنها بالتأكيد الأبرز في ذلك، ولعل في تجربة (إثراء المعرفة) ما يدل على هذا التميز، فهو المشروع الثقافي الأهم الذي يعمل عليه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي التابع لأرامكو، وعلى أهمية المجالات الأخرى بالتأكيد في تطور بنية المجتمع، فإن في تصوري أن الجانب الثقافي هو الأهم كونه الجانب الذي لا تهتم فيه بقية المؤسسات، فغالبها يهتم في المسائل الاقتصادية أو الاجتماعية دون الثقافية وتتفرد أرامكو في دعمها لمثل هذا المشروع، حتى كان الأمر صعباً على غير أرامكو تحقيقه.
هذا من جهة، من جهة أخرى كان دمج كافة أطياف المجتمع على اختلاف ثقافتهم وعاداتهم ومذاهبهم في إطار العمل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الأكبر في هذه الشركة العملاقة، غاية في الأهمية مما يمكن أن يحقق "مواطنة صغرى" _ إذا صح التعبير _ وهي سمة مهمة من سمات الحداثة حيث كان تأثير الشراكات العملاقة في الانتقال من المجتمعات التقليدية إلى المجتمعات الحديثة بكل ما تزخر به هذه المجتمعات من اندماج كلي، أو جزئي، أو الاستخدام اليومي لمنتجات التقنية الحديثة التي هي سمة هذا العصر.
من هنا كان مفهوم الشراكة المجتمعية متحققاً بشكل ظاهر، أحياناً، وموجه ومباشر من خلال دعم المشاريع الثقافية والاقتصادية والمجتمعية أو بشكل غير ظاهر من خلال دمج المجتمع ككل، على اختلاف مكوناته، في سياق حداثي عام الأمر الذي جعل تجربة أرامكو فريدة من نوعها وأتصور أنه من الصعب على المدى القريب وجود شركة أو مؤسسة تنافسها في هذا المجال.