.
.
.
.

لا أتخيل العالم بدون أمريكا

مشعل السديري

نشر في: آخر تحديث:

لست من المحبين ولا الكارهين لأمريكا ــ أو بما يسميه البعض (الشيطان الأكبر).

ولا أظن أن هناك زعيما أمريكياً، ابتداء من (جورج واشنطن)، وانتهاء (بباراك حسين أوباما) في مستوى (إبرهام لينكولن) ، ولو لم يفعل في حياته الحافلة غير (تحرير العبيد) لكفاه ذلك شرفا.

وقبل أيام، كنت اقرأ في سيرة حياته، واسترعى انتباهي ثلاثة مواقف له، لا بأس أن أنقلها لكم.

الأول: عندما كان محاميا وقبل أن ينتخب رئيسا: إذ أتاه أحد الأثرياء وأراد أن يوكله لمقاضاة رجل فقير عليه دين (بدولارين ونصف) من أجل أن يمرغ أنفه بالتراب وينتقم منه فقط لا غير، وذلك عندما أنكر الفقير الدين ورفض دفعه.

عندها وافق (لينكولن) قبول التوكيل على شرط أن يدفع له موكله لقاء أتعابه مقدما وهي عشرة دولارات، ووافق الثري على ذلك، وما أن قبض المبلغ حتى ذهب للرجل الفقير وأعطاه خمسة دولارات بشرط أن يدفع منها فورا دينه ويستبقى الباقي لنفسه.

وهكذا ربح هو خمسة دولارات، وربح الفقير دولارين ونصف، وارتاح المدعي الثري وأخذ يتباهى أمام الجميع.

والثاني: عندما كان رئيسا، ومن عاداته أنه يحب أن يمشي وحيدا في بعض الأوقات، وتقول إحدى النساء: إنني عندما كنت طفلة صغيرة، وكان علي أن أقوم بأول رحلة بمفردي في السكك الحديدية، وعندما اقترب موعد الرحلة لم يصل الحوذي الذي استأجرته لأخذ حقيبتي، ووقفت إلى جوار بوابة المنزل أبكي وقلبي يكاد يتحطم وأنا أمسك بقبعتي وقفازي بيدي، وإذا برجل طويل يمر أمامي ثم يتوقف ويسألني عن سبب بكائي، وعندما سردت عليه القصة، سألني أين حقيبتك؟!، فقلت له: إنها في الطابق الأعلى، وصعد وحمل الحقيبة الثقيلة على كتفه قائلا لي: هيا أتبعيني على شرط أن تكفكفي دموعك، فامتثلت له وأخذت أجري خلفه وهو يخطو بساقيه الطويلتين وبلغنا المحطة في الوقت المناسب، وعرفت أنه الرئيس عندما شاهدت المسافرين يحيونه ويصفقون ويهتفون له.

والثالث: عندما تلقى وثيقة (تحرير العبيد) سنة 1863 لتوقيعها، وذلك عندما التفت لوزير الخارجية قائلا:\

لقد ظللت أصافح الناس منذ التاسعة صباحا حتى أوشكت يدي أن تشل من كثرة المصافحات، وإذا كان التاريخ سوف يخلد اسمي، فإنه سوف يخلده فقط من أجل هذا القانون الذي وضعت روحي كلها فيه.
وأمسك بالقلم مرتين ثم وضعه وقال: لو أن يدي ارتعشت وأنا أوقع هذا الإعلان، فسيقول كل من ينظر إلى هذه الوثيقة بعد ذلك أنني كنت مترددا.

ثم أمسك بالقلم هو بكل أصابعه، وكتب بحزم وثقة وتمهل: (إبرهام لينكولن)، ووقع تحته إلى درجة أن الوزير خشي على الورقة من أن تتمزق، وقال فيما بعد: إن (لينكولن) لم يكن يوقع ولكنه كان يحرث.

أمريكا فيها الطيب وفيها البطال ــ مثلنا نحن تماما.

ومهما حصل ومهما كان ومهما سيكون، فإنني لا أتخيل العالم بدون أمريكا ــ رغم أنني ضد (الإمبريالية)، و(البلشفية) كذلك، إنني مع (السريالية).

وأختم قائلا: إن هناك سؤالا اختباريا ونفسيا، يوجهونه أحيانا وبشكل فجائي لبعض طالبي التأشيرة لدخول أمريكا، وهو: هل تحبذ قلب الحكومة الأمريكية بالآراء الهدامة أم بالعنف المسلح؟!

أعجبني رد إحدى السيدات عندما طرح عليها هذا السؤال، فصمتت قليلا وهي تفكر، ثم أجابته قائلة: الاثنين معا.

*نقلاً عن صحيفة عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.