.
.
.
.

الحل: رفع الضغط عن الشريان

نجيب الزامل

نشر في: آخر تحديث:

حوار:

إن بعضا من الناسِ يموتون، ولا يفنوْن.

وكيف يموتون ولا يفنون؟

إنهم يتركون وراءهم أفكارا كالأشباح عبر الأزمان تطوِّق بها أعناق الأحياء، تعصرها عصرا فتمنع الشريان من نقل الأكسجين والفكر صافيا للدماغ.

بأي شيء؟

بالذي يتركونه وراءهم من تعاليم وفكر في شؤون الدنيا وفي شؤون الآخرة فيها شرارات الحروب عبر القرون لتستمر النيران موقدة بين بني البشر.

انتهى الحوار.

لم يعِ الناسُ الذين تناقلوا الفكرَ ضاغطا على الشرايين أنهم لم يفهموا أمرا بغاية الأهمية، وهو الفرق الشاسع بين الحقيقة والرأي. وكلما ضاق الدمُ الصاعد من القلب للدماغ وقلَّت التغذية بالأكسجين، كلما غاب عن العقل أن يدرك الفرق بين الرأي والحقيقة رغم المسافة الشاسعة، فتضيق هذه المسافة، فإذا بالرأي يكون هو الحقيقة.. بل إن الرأيَ أحيانا أقوى حقيقةً من الحقيقة!

ألم يقل الإمام مالك لما عُرضت قضيةٌ عليه وعلى الشافعي فحكم الإمام الشافعي نقيض ما حكم به الإمام مالك، فلما رجعوا لمالك قال لهم: "الحقّ أحقّ أن يُتبع، أخطأ مالكٌ، وأصاب الشافعي"، لأن العالم العظيم مالكاً يعرف تحديدا الفرق بين الرأي والحقيقة، فالحقيقة هي التي يجب أن تُتبع سواء صدرت منه أم من الشافعي أو أي عالم آخر، ليس الرأي بذاته مهما كان صاحب الرأي. هل نقصت عظمة مالك؟ أم أنه ازداد فوق عظمته عظمة؟

الأئمة الكبار، والعلماء الشرعيون المتبحرون، لا يقطعون بصحة آرائهم، ولم يجيزوا لآرائهم جُملة أن تحزم حزما، أو أن تصنع حزبا، أو تقيم مذهبا، ويكون لهم أتباع يلتزمون بآرائهم دائما، وإلا لتقسّم الإسلامُ كما تقسمت المسيحية بين كاثوليكية وبروتستانتية وأرثوذكسية يكاد لا يعترف بعضها ببعض.

إن الأئمة منارات كبيرة ورفيعة تنير المسالك للسالكين، أقف عند أي نور منها وأقرأ تحت ضوء مصباحها؛ لأنها كلها مصابيح تعطي النور. ولم يقصد الأئمة أن تكون مذاهب متنافرة ومتشاجرة ويحجر بها على العقول. إن الدين الإسلامي عاش قوته وعنفوانه في صدر الإسلام وقبل خروج أي مذهب من المذاهب.

وخذ مثلَ السنة والشيعة، تتوارث الأجيال رأي الكراهية، شربوه من لبن الأمهات، فتوارث الأخلافُ الكراهية التي كانت بقلوب الأسلاف. فالذي انتقل عبر العصور الكراهية وليس العلم الحقيقي والاطلاع الواعي كل الوعي. ينشأ الصبي عند بعض الشيعة يستقي الكراهية العميقة، والعلم الضحل، وينشأ الصبي عند بعض أهل السنة يستقي الكراهية العميقة، والعلم الضحل. ولا يحاول كلا الصبيين أن يفرقا بين الرأي والحقيقة، أو لم يتعلما ذلك.

ولا تظن أن الفرق بين الرأي والحقيقة ديني بل هو سياسي أيضا وبامتياز. حتى البرلمانات في أقدم الديموقراطيات ببريطانيا كانت تؤمن بالحقيقة لا بالرأي. ولما غضب في القرن السابع عشر شارل الثاني -الذي يميل «للكثلكة»- من البرلمان الذي منع أخاه جيمس أن يكون وليا لعهده لأنه كاثوليكي محض، ثار وحل البرلمان، فانقسم رجال الحكم قسمين. ومن تلك الأيام ظهر حزبان، الويجز Whigs والتوريز Tories اللذان صارا من بعد ذلك الأحرار والمحافظين. كما خرج الدستور الأمريكي حقيقة خاليا من كل ما يشير للتحزب والأحزاب.

الحل هو التعليم. التعليم الذي عليه أن يزيل الضغط من على الشريان ليأخذ اتساعه كاملا فينقل الدمَ والأكسجين للعقل، سائغَيْن.

*نقلاً عن صحيفة اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.