.
.
.
.

البقاء للأصلح

مها محمد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

يعمل مبدأ تكافؤ الفرص في المفهوم الظاهر على تقليل الفجوة النوعية بين المجتمع الواحد والأوطان، ولن نجد لهذا المفهوم ترجمة خاصة أو تعبيراً يختص به العالم القديم أو الحديث، وحسب فلسفة هذا المفهوم نطرح الآتي أي لا نغرق في التفاصيل فهناك أمثلة كثيرة تشبه إلى حد ما تركيبة السلطة الفرعونية أو السلطة الرومانية في الأحقاب القديمة عند الفرس والمغول والتتر والأفارقة والعرب القدامى وغيرهم، ومفاد ذلك أن تكافؤ الفرص كان رهين الظروف والتقلبات والانتماء إلى فئات نافذة في الحكم.

وأخبر أحد أساتذة هذه الدورات حسن الشيخ "أن (تكافؤ الفرص) و(إتاحة الفرص) ربما يحاجج البعض في أن لا خلاف بين المفهومين السابقين وأن الخلاف بينهما خلاف شكلي، بينما جوهرهما واحد، والحقيقة أن الفرق بينهما مثل الفرق بين العدالة العمياء والعدالة المبصرة، فبينما يصر بعض الحقوقيين على أن من سمات العدالة أن تكون عمياء تطبق على الكل من دون استثناء، بينما يرى الآخرون أن العدالة المبصرة هي مطبقة على الكل أيضا، ولكن بوعي وببصيرة.

ويمكن أن يقال إن بدايات التحديات السياسية في الغرب تكمن في الهيمنة الإستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية على العالم، وأن جودة الحياة رضخت إلى مجتمع اقتصاد السوق الحر، فكانت المحصلة صعوبات تفتقر إلى أساس معقول لغياب معلومات يقينية تدين الاستحواذ والسيطرة الكاملة وانعدام تكافؤ الفرص، وعلى وجه الخصوص بعد تراجع واختفاء المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية في نهاية القرن الماضي.

ولا يتفق العالم حول أبعاد سياسة أحادية أو يعترف بها إلا إذا كان هناك هدف محدد ومرتبط بشكل مباشر بمصالحها، وتساهم بأكبر فاعلية ينتج عنها تصور غير سليم، ولكن، تكافؤ الفرص يعد اشتراطاً ينص المعاملة بالمثل وفي علم النفس مصطلح يشير إلى فعل إيجابي بفعل إيجابي، ويمكننا أن نتساءل أين تكمن الصعوبة في هذه الهيمنة والمعاهدات التي أصبحت في قبضة دول دون أخرى، وتنفرد بالمفاوضات الحقيقية التي تنتج حياة سياسية غامضة وخاصة وغير متكافئة مع الغير.

وأما تكافؤ الفرص هنا ضعف وسائلها وخاصة في الحياة السياسية، وجاءت نظرية داروين لتعطي دفعة قوية لهذا المفهوم، ففرضت إعادة الرؤيا في إشكالية الموروث والمكتسب، وخلطت الأوراق من جديد بمفهوم النشوء والارتقاء والتشابه وانعكاساته المفترضة على الحقل الاجتماعي وعلى الكائن البشري بالتحديد، ومن بين المسلمات التي أفضت إليها نظرية داروين" البقاء للأقوى" وهي مسلمة تطورت إلى أخرى هي "البقاء للأصلح"، وينقل عبدالله العروي حصر الرؤية على انعكاسات هذه النظرية التي تتأمل أحوال الناس وأعمالهم وتصرفاتهم ولم يهمل واقع المجتمعات، وما غاب عنها من مفهوم تكافؤ الفرص في التجمعات البشرية القائمة على الاستحواذ والاختيار.

فقد ذهب الكثير من المفكرين إلى شرح الوضعيات القائمة في توزيع السلطة والمعرفة ومعيار العمل المقرون بالنية والقصد، ويمكن اعتبار انتقاء أفراد الدوائر السلطوية، وانتقاء الأفراد المحصلين على أحسن النتائج الدراسية وتوزيع مهام الشغل على ذوي كفاءات معينة متطابقة مع "المميزات المطلوبة" لشغل وظيفة معينة في صورة فردية أو ذاتية، كلها داخلة ضمن المجال المفاهيمي للمسلمتين المذكورتين أعلاه ("البقاء للأقوى" و "البقاء للأصلح") وهاهي النظرية المتطورة في عهد الملك سلمان تحقق جزءاً كبيراً ووافراً من تكافؤ الفرص بين أطياف المجتمع؟.

*نقلاً عن صحيفة الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.