أخلاق العقل
لا ريب أن الأخلاق هي الركن الأساس والأهم مطلقا في حياة الإنسان، ومن أجل ذلك فإن كل الفلسفات والعلوم والحضارات تؤسس للأخلاق وتهتم بدراستها وتطوير العمل بها وتطرح على الأخلاق أسئلة الحكمة ومستجدات العصر وأحداثه، وكان من أهم الأسئلة المطروحة على الأخلاق: ما هي مكانة العقل في الأخلاق؟ وقد جاءت الأجوبة منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين ضمن محاولات التفسير لحركتي الكون والطبيعة، حيث مرت بالتفسير الآلي الحركي ومنه إلى التفسير العلمي السببي. ونتج عن كل ذلك اقتراح المبادئ المعيارية للأخلاق والتي اختلفت من ديانة إلى ديانة ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن فلسفة إلى أخرى! هذه المبادئ المعيارية العقلية للأخلاق فرضت أحكاما صارمة على الإنسان باعتباره آلة لتطبيق تلك المعايير الأخلاقية. وبناء عليه تأسست القوانين السياسية والنظم المدنية وكذا المناهج التربوية والتعليمية على فكرة الإلزام الخلقي للإنسان وفق معايير العقل، وتم اعتبار الإنسان الذي لا يلتزم هذه المعايير إنسانا لا أخلاقيا! فضلا عما يطاله من عقوبة القانون!!
على أفضل تقدير سنعتبر كل ما سبق تجربة في فهم أساس الأخلاق، وفرصة كافية تم منحها للعقل في إدارة الأخلاق. لكن ولما كان الوضع العام في ترد أخلاقي تمثل في الحالة الإنسانية البائسة من الفقر والجوع والحرب والدمار والعنصرية والتفريق والتهجير. ناهيك عن الغدر ونقض العهد والكذب والفجور والاعتداء والإيذاء. أمام كل ذلك كان لا بد من قراءة تجربة أخرى في فهم الأخلاق وعلاقتها بالإنسان، تجربة تسمح بإشراك العقل المفكر في الفاهمة الأخلاقية ضمن دوره المعرفي المعلوماتي (التجميعي والتفكيكي والتركيبي) بعد إقالته من دوره السيادي السلطوي المتحكم.
إن الاهتمام بعلم الطبيعة الإنسانية يعلن التجربة الأخرى لفهم الأساس الأخلاقي، وقد بدأ هذا العلم انطلاقا من أن للعقل حدودا لا يستطيع أن يتجاوزها ويتخطاها، وهذه مسألة ـ حدود العقل ـ مسألة اهتم بها الفلاسفة من أمثال الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم (1711 ـ 1776) والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 ـ 1804) ويرى الأول (هيوم) أن كل فكرة لدى الإنسان لها انطباع يقابلها، وكل انطباع له فكرة تقابله، وأن الانطباعات تسبق الأفكار. وهذا يعني أن الأخلاق هي انطباعات تمر لاحقا بمرحلة الأفكار العقلية. وفي القرآن الكريم تأكيد على مبدأ الفطرة الإنسانية (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) لتكون الشرائع بعد ذلك متممة للفطرة الإنسانية لا مؤسسة لها، كما في تعبير الإمام ابن تيمية، وفي الحديث النبوي يقول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ومن خصائص الفطرة الإنسانية أنها قوة دافعة ذاتيا للفعل الأخلاقي، وهذا بخلاف العقل فهو لا يوجد لديه هذه القوة الذاتية وإنما يتوقف على المعلومة التي تتشكل فيه أولا، ثم كيف يقدمها للسلوك الإنساني!! الأمر الذي يجعلنا نقول إن العقل ليس سيد الأخلاق! وإنما الوجدان هو سيد الأخلاق وأساسها. وهذا ما سوف يكشف السبب وراء الإخفاق الأخلاقي عند الإنسان، وفي اختبار بسيط من واقعنا. كم يسمع العقل البشري من العلوم والمعارف الأخلاقية عبر الخطاب الديني المكثف، وعبر الخطاب الاجتماعي والقانوني السياسي. وأمام هذا الكم الهائل من النداء الأخلاقي نجد الإنسان يتجاهله ويتجاوزه ويتحايل عليه، فهو الذي يسمع ويدرك تحريم الكذب والغش والخديعة والرشوة وغيرها هو نفسه الذي يكذب ويغش ويخدع ويرشى ويرتشي!!
وإذا كان الوجدان هو أساس الأخلاق كان لا بد من عودة إلى الوعي الوجداني عند الإنسان الفرد والإنسان المجتمع. وفي عودة إلى خلق الإنسان وتكوينه الأول نجد أن لديه قابلية السلوك نحو عالم (الخير) والسلوك نحو (عالم الشر) هذه القابلية هي القدرات الطبيعية لديه. والتي تحدث عنها القرآن الكريم (ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها) ليأتي بعد ذلك دور الإنسان فقسه مع نفسه (قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها) والتزكية فعل وجداني بامتياز.
العودة إلى الوعي الأخلاقي الوجداني تحتاج إلى أمور من أهمها أن ينهض الفلاسفة والمفكرون لبيان حدود العقل في المفكر في المنظومة الأخلاقية، ثم يجب أن ينعكس ذلك على الخطابات الدينية والاجتماعية والتربوية التي عليها جميعا أن تكف عن استهجان الوعي الوجداني ومحاربته، وأن تنهض هي للانسجام معه وتطويره عبر مناهج التربية والتعليم وبرامج الإعلام والثقافة. وسوف نجد بعد ذلك تحولا كبيرا في حالتنا الأخلاقية حين تصحو الضمائر وتزكوا النفوس وتتألق الأرواح في مجتمع إنساني النزعة لا يتوحش فيه الإنسان ضد الإنسان ولا تكون فيه الأخلاق مجرد خلفية ثقافية للمناسبات والشعارات، بل واقعا في أعمال القلوب وسلوكيات الحياة.
*نقلاً عن صحيفة مكة