أزمة الاستقدام .. ما بعد العاصفة!

خالد عباس طاشكندي
خالد عباس طاشكندي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

اشتعلت ساحات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية ضد اللجنة الوطنية للاستقدام في مجلس الغرف السعودية، ووجهت عبر عدة «هاشتاقات» كما هائلا من الانتقادات اللاذعة والجارحة إلى أعضاء اللجنة ورئيسها سعد البداح نتيجة لسلسلة من الأزمات التي يعاني منها سوق استقدام العمالة المنزلية، مما دفعهم لتقديم استقالة جماعية كردة فعل احتجاجية على الحملة الشرسة التي يقف وراءها تكتل من مستثمرين في القطاع واستياء شريحة كبيرة جدا من المواطنين الذين يرون بأن رئيس اللجنة لم يقدم ما يشفع له بالبقاء في منصبه طيلة عقد من الزمن في ظل عدم وجود نتائج ملموسة من حيث دعم وتطوير قطاع الاستقدام وتحقيق مصالح المستثمرين والمواطنين على السواء، ولكن السؤال الواقعي والمنطقي الذي يفرض نفسه بعد هذه العاصفة الهوجاء التي طغت عليها ردود أفعال عاطفية وبات يتطلب طرحا موضوعيا يلامس الحقيقة الغائبة عن البعض هو: هل البداح وأعضاء لجنته هم بالفعل من يقف وراء كل هذه المعاناة والأزمات التي يعاني منها سوق العمالة؟!

لا شك أن الكل يتفهم أسباب استيائنا كمواطنين نتيجة لتضاعف حجم المعاناة من مشكلات استقدام العمالة المنزلية على مدى العشر سنوات الماضية ومنها الارتفاع الكبير والمتسارع في تكلفة الاستقدام التي بلغت 300% وارتفاع أجور العمالة المنزلية بنسبة 250%، بالإضافة إلى الفارق الكبير عن دول الخليج من حيث التكلفة ومدة الوصول وقضايا تأزم العلاقة مع الدول المصدرة للعمالة، ولكن ربما لا يعلم البعض أن «أنظمة العمل» في بعض دول الخليج تقدم امتيازات مغرية تتيح للعمالة المنزلية العمل في مكان آخر بعد انتهاء الدوام، وأنها «تفرض» منح يوم إجازة أسبوعيا تقضيه خارج المنزل، وهو أمر غير متاح في المملكة سواء على صعيد مواد وبنود نظام لائحة عمال الخدمة المنزلية التابع لوزارة العمل أو على صعيد الالتزام بما جاء في هذه اللائحة، وفيما يخص توقف بعض الدول عن إرسال العمالة فهذه الاتفاقيات والمفاوضات المتعلقة بها هي من اختصاص وزارة العمل فقط وذلك بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 24007 بتاريخ 10/05/1433هـ ، ولم يكن للجنة الاستقدام أي دور في هذا الشأن منذ 6 سنوات.

وهذا لا يعفي اللجنة الوطنية للاستقدام ورئيسها من المسؤولية، فقد فشلت اللجنة بالفعل في تطبيق عدد من بنود أهداف اللجنة الأساسية مثل تنظيم عملية الاستقدام من الدول المرسلة للعمالة المنزلية إلى المملكة ومحاربة مكاتب خدمات الاستقدام التي تحتال على المواطنين، بالإضافة إلى البند العاشر من لائحة أهداف اللجنة وهو مسألة تنظيم العلاقة بين مكتب الاستقدام السعودي والمكتب الأجنبي من خلال عقد الارتباط الموحد، أما رئيس اللجنة سعد البداح فقد بذل على مدار 12 عاما جهودا خاوية من النتائج الإيجابية الملموسة، وبقاؤه لسنوات طويلة على هذا الوضع فتح الباب على مصراعيه للاتهامات التي وجهت إليه من قبل المواطنين والمستثمرين المتضررين بغض النظر عن مدى صحتها من عدمه.

ولكن أيضا المواطن والمجتمع يتحمل جزءا من المسؤولية في مضاعفة المعاناة من سوء خدمات استقدام العمالة المنزلية، وذلك نتيجة لرصد عدد كبير من حالات سوء المعاملة وتأخير الرواتب دون وجه حق، بالإضافة إلى رصد عدد ليس بقليل من حالات الانتحار بين الخادمات سنويا في المملكة بحسب الكتاب الإحصائي السنوي لإدارة التخطيط والإحصاء بوزارة الداخلية، وهي نتيجة للعديد من الأسباب والدوافع منها ما هو متعلق بسوء المعاملة أو التحرش وارتفاع معدلات القضايا الجنائية المتعلقة بالعمالة المنزلية الوافدة، وهذه العوامل ساهمت في تفاقم ظاهرة هروب العمالة والتي تقدر خسائرها السنوية بحوالى 1.8 مليار ريال سنويا، فيما كشفت وزارة العمل أن نحو 65 ألف عامل وعاملة منزلية هربوا من كفلائهم خلال العام الماضي 1435هـ، وأن 49% منهم إناث، وهذه الظاهرة نتج عنها ظاهرة أخرى وهي «التستر» على العمالة الهاربة وغير النظامية في القطاع الخاص والذي يستنزف بحسب آراء المختصين قرابة 300 مليار ريال سنويا ومساهما في تضخم اقتصاد الظل والحوالات الخارجية صاحبه انخفاض في أجور العمالة الوطنية وتشويه سوق العمل بشكل عام، وكنتيجة واقعية أيضا لتأخر الجهات المعنية في إطلاق حملات تصحيح أوضاع هذه العمالة.

إذن .. يجدر القول بأننا كلنا ضالعون بشكل أو بآخر فيما آل إليه حال سوق استقدام العمالة المنزلية، والحلول الممكنة لن تسبق علاج ما طرح في ثنايا هذا المقال..

*نقلاً عن صحيفة عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.