.
.
.
.

الموهبة و الدِّرْبَة و المِرَان !

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

لستُ متأكداً ما إذا كانت الجملة لنيوتن أم لغيره ، فقد نُسبت لأكثر من اسمٍ جليل و بأكثر من صيغة : الموهبة لا تشكّل أكثر من درجة واحدة و بقية الـ 99 التي نُتمّ بها المائة هي للجهد و العمل و الدراسة ! ، الأكيد أن لهيغل صيغة أطيب تحافظ على ذات الحماس لكن بحِدّة أقل : الموهبة بصيص أمل لكنها ليست الأمل ! ،

قبل أيام ، في معرض الكتاب في أبوظبي ، كنت ضمن جمهور ندوة طيبة عن الرواية أخَذَتْ طابع الحوار المُحفّز و الضابط للرِّتم ، حيث أستاذنا إسماعيل فهد إسماعيل يسأل و الصديق الروائي طالب الرفاعي يجيب ، تواضع كبير من روائي فخم استحقه روائي جيّد و ملتزم ، أمر ذكّرني بأبوّة سليمان الفليّح لجيل كامل كنتُ لحسن الحظ من أبنائه ، لا أعتذر عن الاستطراد ، لكن لنرجع لموضوعنا : رغم كل هدوء و رحابة أستاذنا إسماعيل فهد إسماعيل ، فقد صعُب عليه هضم ما تعامل معه طالب الرفاعي كحقيقة و إن كانت صادمة ، الكلام للرفاعي : في العمل الروائي لا تُشكّل الموهبة حسب دراسات جديرة بالإحترام أكثر من " 4,5 " بالمائة و البقية للدِّربة و المِران و الدراسة و القراءة ! ،
ما أن توقّف الرفاعي عن الكلام ، حتى أعاد إسماعيل فهد إسماعيل المسألة للبدء ، كان من الواضح أنه لا يريد تفسيراً بقدر ما يريد تسجيل موقف أكثر طيبة و إجلالاً للموهبة ! ،
ظل الروائي طالب الرفاعي عند موقفه ، و ليت كل من يظل عند موقفه يحرص على أن يذوب لطفاً و أدباً كل مرة مثل هذا المثقف الكبير ،
كنتُ أريد التداخل لكنني و لسبب غامض حتى عليّ لم أرفع يدي حين جاء دور مداخلات الجمهور ،
الآن أرفع يدي :
أنا مع الروائي طالب الرفاعي فيما ذهب إليه ، لستُ متأكداً من صحة النسبة ، غير أنني مقتنع بأن الموهبة لا تشكّل الكثير ، لكنني أيضاً مع أستاذنا الجليل إسماعيل فهد إسماعيل في أهميّتها القصوى و ضرورتها الحتميّة ،
لنتفّق أنها لا تشكل أكثر من " 4 " بالمائة من المُنجز الفني ، هذا لا يعني أن الـ " 96 " المتبقية للدراسة و التدريب و الاطلاع و التجريب كافية أبداً ، ذلك أن هذه الأربع درجات ثابتة و متداخلة في كل ما عداها ، وهي في ذات الوقت خالصة لنفسها بالكمال و التمام ! ، بمعنى أنها قادرة على تقديم منجز فني دون الحاجة لدرجات أخرى ، لكنه سيكون منجزاً فنياً بدائياً ، و لا أقول هزيلاً ، سيكون منجزاً فنيّاً قابلاً للزّوال ، و لا أقول قابلاً للإزالة ! ، في حدّه الأقصى يصير مرجعاً تاريخياً مثله مثل الرجز بالنسبة إلى الشعر ، أو لنقل مثله مثل شعر نازك الملائكة بالنسبة للشعر الحر ! ،
الأمر الذي يحفظ للموهبة كرامتها يكمن في أن نسبتها البسيطة هذه ضرورة حتمية لتكون الدراسة دراسة ، و الدِّربة دِربَة ، و المِرَان مِرَان ، و القراءة قراءة ، و التعليم نافع و التجريب ليس عبثياً ! ،
الموهبة لا تكفي ، هذا صحيح ، غير أنه و في العمل الفني و الأدبي لاشيء يمكنه أن يحضر في غيابها ،
بالأحضان يا أحبّة !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.