.
.
.
.

كامب "الأرطاوية"

عبير الفوزان

نشر في: آخر تحديث:

في طفولتي عندما أسمع والدي يتحدث عن معاهدة كامب ديفيد، كنت أتخيل كامب رجلاً ليس طيباً، مفلوج الأسنان، يشبه مناحيم بيغن، اسمه كامب ووالده ديفيد.

لم يمر على هذا الظن زمن طويل، حتى عرفت معنى كامب، عندما قررت عائلتنا المتنامية في أحد فصول الربيع التخييم في الأرطاوية، التي تبعد 270 كلم عن الرياض، وتتبع محافظة المجمعة. كان الوعد بـ«فياضها» التي اخضرَّت مثل روضة أم طليحة والزلعاء، وأوديتها التي سالت مع المطر مثل وادي جراب ووادي بقر، وربما وجود الفقع هو الذي دفع مجموعة من العائلات بسيارتهم وخيامهم، قاصدين الأرطاوية، من ذلك اليوم عرفت معنى كامب. وظل ديفيد معلقاً في الهواء، «لا ولد له ولا تلد».

بلا شك، أن كامب الأرطاوية يفرق عن كامب ديفيد، لكن أذكر أن هناك قرارات عائلية اتخذت في كامب الأرطاوية، فتبايع الأعمام الأراضي، وكانت كلمتهم الشبيهة بالمعاهدة والمحفزة للتذكر: (تبايعناها في كامب الأرطاوية.. تذكر؟!).

جميل أن تطل القرارات في مكان ساحر يلهو فيه الأطفال، وتطبخ النسوة الخبز الطازج، ويتبايع ويشتري الرجال ما يشعرون بجدواه، وأهميته بالنسبة إليهم ولعائلاتهم، بدلاً من مجالسهم الجامدة. إن المكان الشاعري محرض على القبول عندما يكون التردد سيد الموقف، لذا اختيار المكان المناسب مهم في عملية الإقناع والمفاوضة.

كامب ديفيد المنتجع الرئاسي الذي لا يبعد عن واشنطن إلاّ 100 كلم لم يُحدَّد له موقع في خرائط غوغل، وليس متاحاً، بل يكاد يكون سرياً لدواعٍ أمنية، هو بالتأكيد لا يشبه الأرطاوية إذ سال سيلها وربعت أرضها، حتى لو لم يكن اسمه مقبولاً، وله في ذاكرة بعضهم وجه رجل قبيح مفلوج الأسنان.

المظلوم في كامب ديفيد هو ديفيد، ذلك الصبي الذي كان يرتع ويلعب في منتجع «شانغريلا» الرئاسي، المسمى على جنة الفردوس في ثقافة التبت، والذي ما أن بلغ الـ12 من عمره في عام 1960 حتى لقي تكريماً خاصاً من جده الرئيس الأميركي آيزنهاور، بإطلاق اسمه على المنتجع الرئاسي «شانغريلا»؛ ليصبح كامب ديفيد.

ديفيد آيزنهاور يبلغ اليوم 67 عاماً، وليس له الحق في زيارة المنتجع، فهو لا يملك من كامب ديفيد إلاّ اسمه، إضافة إلى ميراث من الريبة والشك تجاه ديفيد الذي تخيلته رجلاً قبيحاً مفلوج الأسنان، بينما هو في الواقع رجل بملامح عادية، يشبه جده كثيراً، ويعمل أستاذاً مساعداً في جامعة بنسلفانيا.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.