.
.
.
.

المكتبة !

فهد عافت

نشر في: آخر تحديث:

الحديث كلّه عن المكتبة الخاصّة :
المكتبة كائن حي ، تحلّ فيه الكتب محلّ الخلايا ، الفرق أنه يُمكِن لهذا الكائن أن لا يشيخ ، العجيب أنه من الضروري أن لا يشيخ ،
نقص المكتبة لا يعيبها ، على النقيض : تمامها في النقص ! ،
مكتبة غير ناقصة ليست مكتبة ، مكتبة مكتملة : مكتب و ليست مكتبة ! ،
تُولد المكتبة طفلةً ، و آخر حدودها الصِّبَا و الشّباب ،
قد تظل المكتبة طفلةً و تظل مع ذلك مكتبة ، لكنها لا تظل مكتبةً إن هي كبُرت و شاخت و فاضت عن الصِّبا و الشّباب ، في هذه الحالة تصير ذكرى مكتبة ، أو أنها لم تكن مكتبة من الأصل و الأمر كله خطأ تصميم أو التباس فِكرة ! ،
تكسب المكتبة ملائكيتها من إبليسيّتها ! ، من هذه القدرة الإبليسيّة على البقاء دون موت أو هَرَم ! ، و من القدرة على الغواية أيضاً : للمكتبة وسواسٌ لا مثيل لشهيّات رنينه ! ،
لكل مكتبةٍ لابد من جناحين ، ذلك أن المكتبة خُلقِت لتطير بأصحابها ، و هي تطير في معزلٍ عنهم أيضاً حتى و إن لم يلحظ أحد ذلك ، كل صاحب مكتبة يعرف أن مكتبته تطير و أن الكتب تغيّر مواقعها في غيابه ، يشعر بذلك ، و إلا فلماذا لا يدخل أحد مكتبته بعد أسبوع واحد من غيابه عنها دون أن يقف ثابت القدمين مُحرِّكاً رأسه و مديراً نظراته تمسح المكان كله بحذرٍ و كأنها تريد التأكد من شيءٍ لا تعرفه ؟! ، هذا الشيء الذي لا تعرفه عيون صاحب المكتبة ، يُحسّه صاحب المكتبة في قلبه حتى و إن لم يتمكن من تحديده لغةً و مفهوماً : الكتب تحرّكت ، طارت ، تشاكست ، بمناقيرها جرّحت بعضها البعض ، ثم عادت لأعشاشها بسرعة تفوق سرعة الضوء في اللحظة التي سمعت فيها هسيس أقدام صاحبها ! ،
رحنا بعيداً ، لنرجع قدر الإمكان :
المكتبة تطير ، و لابد من جناحين ، يمكن لأي أحد تخمين أحدهما : المَدُّ ! ،
لا بد من مدًّ و من مدَدٍ دائمين هذا صحيح ، و لا يحتاج كثير هذر ، الجناح الآخر هو ما أتقدم لمنحه اسماً : النفض ! ،
مكتبة عمرها يقترب من العشرين سنة ، و لم تُنفض خمس مرات على الأقل : مكتبة مُهانة ! ، و المكتبة المُهانة ليست مكتبة : مكذبة ! ،
لذّةٌ لا يتشابه مُرَادها مع أي لذّةٍ أخرى ، تُمنحُ لصاحب المكتبة في تلك الساعات التي ينقضُّ بها على مكتبته ، يُطيح بكتبها و أوراقها و أشرطتها و صورها و ملفّاتها ، و يجلسُ في وسط الدائرة العبثية هذه ، يمدّ يديه تُقلِّبُ ما لا تعرف لماذا تُقلِّب ، لكن أصابعه تلتقط عمره كله ، عمره حتى ما قبل المكتبة ، و حتى ما بعدها ، تُضحكه أوراق و صور و تبكيه ملفّات و أشرطة تسجيل !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.