الفتنة بحر

خالد الفاضلي
خالد الفاضلي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

«الفتنة بحر» يستوعب كائنات تموت إذا غادرته. تهتم بتوريث قناعاتها أكثر من جيناتها، تغذي أجيالها بنظام فكري أكبر من الغذائي، فمن المهم لديهم حيازة جرعة حقد حتى أثناء النوم.

فات على قيادات الفتنة صناعة أحلام تطرف، ثم إرسالها إلى الناس نياماً، وعندما يصحو أحــدنا من حلمه ويخبرنا، نجاوبه «اللهم عسـاه تفجيراً».

كان من نصيبي المهني دخول مسجد الإمام علي بقرية القديح التابع لمحافظة القطيف، شرق السعودية، خلال أول 24 ساعة من حادثة تفجير تسببت في استشهاد وإصابة أبرياء، كانت خلاصة تجربة الحضور داخل المسجد هي «أن الفتنة بحر، موانئ هائمة، لا أحد يريد فعلاً الرسو على شاطئ آمن».

زادت قناعتي أخيراً بأن الفتنة قرار اختياري، اتُّخذ عن وعي كامل، تخطيط، استشراف، ورغبات حقيقية لدى كل الأطراف المتضادة، ربما كان العيب الوحيد والمشترك يكمن في تدني مستويات الوقود والفتيل.

كانت قرية القديح «وقوداً، وفتيلاً» أصغر من إشعال حرب داخلية، وأكبر من أن تستجيب كلياً لعار بدايتها، بينما مقوماتها العمرانية، وعزلتها عن مدينة القطيف جغرافياً وثقافياً واجتماعياً يؤكد أن الفتنة الجبانة والغبية في آن واحد لن تجنيا من استهداف مساجد صغيرة في قرى منزوية إلا خيبات متتالية.

تحت قبة مسجد علي، وفوق سجاده المتشبع ببقايا دم الشهداء، انقسم أهل المسجد في تسمية «مظلة الجاني»، أودية انحدر منها، تحديد مصدره، غاياته، ولم يك ذلك خارجاً عن السياق المتوقع في طقس مماثل، لكن الكارثة الصادمة كانت مفردات تخوين قالها بعض أهل القديح لجيرانهم من القرية ذاتها أو القرى الشيعية المجاورة.

دخول مفردات وثقافة التخوين إلى مجتمع ما توحي ببدايات انقسام شارع، وهو ما يعني أن حلاً عادلاً واحداً -حتى وإن كان متكاملاً- لا يكفي ولا يفي، وهذه معضلة قتلت كل بدايات المصالحة في لبنان، سورية، العراق، واليمن.

يصعب تأسيس حالة سلم مجتمعي طالما كانت (الفتنة) غاية، وهو صنيع داعشي أخيراً، قاعدي سابقاً، وبينهما كل أطياف العنف الدموي، مع استمرار الإرهاب أسوء اختراعات البشرية، ولاسيما المساس بدُور العبادة والأطفال.

فقدت القديح -بسبب تفجير مسجدها- القدرة على العودة إلى مسار السلم الداخلي موقتاً، ما لم يرتفع الوعي العام إلى سقف يسمح برؤية كل أحجار الشطرنج وكبار اللاعبـين العابثين بحالة السـلم في كامل المنطقة، من أجل أحلام يصعب تحقيـقها، حتى لو جلس الشـيطان على كرسـي المكيدة.

*نقلاً عن صحيفة الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.