.
.
.
.

عقدة الطائفية..

سعود الريس

نشر في: آخر تحديث:

هل استهداف المصلين في القديح عمل إرهابي أم طائفي؟

البعض سعى إلى جر تلك الحادثة المؤسفة إلى خانة الطائفية، والمنطق والشواهد يقولان إن العملية إرهابية بامتياز، ففي الشق الأول سعى تنظيم «داعش» ومن يقف خلفه إلى إظهارها بالمظهر الطائفي، فللوهلة الأولى تبدو العملية بالفعل أن المستهدف فيها الطائفة الشيعية فقط لأن منفذها سني، وهنا تمَكَّن «داعش» من استدراج البعض لهذا الفكر والتسويق له، فسقط بعض الكتاب مثلما سقطت بعض النخب الشيعية «الطائفية» في هذا الفخ، وباتوا يتحدثون عن استهداف الشيعة وحقوقهم المسلوبة، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك بحتمية سن قانون لتجريم الطائفية بحجة الحفاظ على صيانة الوحدة الوطنية، في إشارة إلى أن ما حدث في القديح هو نتاج طبيعي للطائفية التي مارسها بعض المشايخ.

الآن، لو افترضنا فعلاً أن الخطاب المتطرف ضد طائفة بعينهااستخدم معها أشد المفردات الاستفزازية، لكن على الأرض تلك الدعوة لم تجد آذاناً صاغية، فما شهدناه من تلاحم وشد أزر من مختلف مناطق المملكة لنظرائهم في القديح، دليل على أن تلك الدعوات والخطب لا تحظى بأي نوع من الاستجابة والقبول، ومن ثم فإن الحديث عن مشروع لتجريم الطائفية في مثل هذا الظرف لا يمكن تفسيره إلا بأنه للاستهلاك الإعلامي فقط، فطالما لا توجد قضية أصلاً لماذا يتم البحث عن قضية وتعظيمها؟

شخصياً، لست ضد سن القانون، لكنني أرفض المزايدة والانتهازية مع كل مناسبة، للإيحاء بأن هناك إقصائية وانتقائية تمارس في شكل ممنهج ضد فريق أو طائفة بعينها، فالحادثة الإرهابية في القديح لاقت رفضاً شعبياً بالمجمل وتعاطفاً لا محدود، ليس لأن الضحايا من طائفة بعينها، إطلاقاً، بل لأن ما حدث استهدف مواطنين عزلاً كانوا يؤدون صلاتهم وبينهم أطفال وشيوخ، وأيضاً وهو الأمر الذي لا يقل أهمية لأنه يستهدف وطناً بأكمله ويسعى لإحداث تفريق بين مكوناته، ومن ثم ليس من الحصافة في شيء تهميش الهدف الأساس لهذه الجريمة وإنكاره، ووضع حجج ومبررات وإظهارها بأنها السبب لما حدث، لأن في ذلك تحقيق الهدف الذي سعى الإرهاب لتسويقه، بأن هناك بالفعل استهداف لفريق، وعلى الفريق الآخر الرد، ولعل محاورة وزير الداخلية مع أحد ذوي الضحايا تكشف عقلية البعض ممن يعيشون بيننا، فليس من المنطقي طرح خطاب ساذج كهذا أمام رجل الأمن الأول، الذي سبق وأن استهدف شخصياً، ففكرة اتهام الدولة بأنها شريك بما حدث، واقتراح تشكيل قوة أهلية لحماية الأهالي، يوضحان ضحالة الفكر الذي يعشعش في رؤوس البعض، فها هي نجران وجازان على سبيل المثال تتعرض لهجمات العصابات الحوثية منذ أكثر من شهرين، وأبطالنا يقفون تاركين أسرهم يضحون بحياتهم، وفيما نحن ننعم هنا في منازلنا لم يخرج أحد من أهالي تلك المناطق المتضررة ليتحدثوا بذلك المنطق، لسبب بسيط فقط، وهو أنهم يفكرون كمواطنين لا كفريق أو طائفة أو منطقة.

على النخب السنية والشيعية على حد سواء، عدم استغلال الظرف لتسويق أوهام تعشش في دواخلهم، فبعض النخب السنية التي انبرت للحديث عن الطائفية، وأنها سبب ما حدث في القديح، إنما لجأت لا مواطنة ولا حباً، بل تصفية لحسابات بينها وبين بعض المشايخ، الذين صدرت عنهم آراء متطرفة لا أكثر، أما النخب الشيعية فوهم الطائفية أصبح عقدة متلازمة مع كل حدث، أو كل طرح في مناسبة لغرض الظهور بمظهر المحارب في عيشه ورزقه ومواطنته.

الإرهاب سعى ويسعى لضرب هذه البلاد بسنتها وشيعتها، ونحن في مركب واحد، فإما أن نجدف جميعاً للوصول إلى بر السلام، وإلا فلنترك الوطن عرضة للنهش ونتفرغ للتخوين والتشكيك وتصفية الحسابات بين بعضنا البعض.

*نقلاً عن صحيفة الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.