إصدارات القرى

خالد الفاضلي
خالد الفاضلي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

تنتهي صلاحية أعصاب الناس وفقاً لتكرار مؤثرات سلبية لا يجدون وسيلة للتصالح معها، أو قانوناً ضابطاً لها، بينما شوارع السعودية تتصدر قائمة محارق الأعصاب؛ لاكتظاظها بمجموعات بشرية آتية من أفجاج ثقافية، عرقية، ومدنية متفاوتة حد الاعتقاد بأن بيننا بعض العصر الحجري.
تستوعب كبريات المدن السعودية ملايين من (إصدارات القرى) سعودياً، عربياً، أو عالمياً، أُهملوا، إلى (نظرية التطور من خلال المحاكاة)، ولأنهم أصبحوا غالبية، استطاعوا خفض مستويات التحضر في المدن السعودية إلى قرى جهل بيئي في البيوت والطرقات، وسلوك عام متدنٍ في كل الزوايا.
تعترف السعودية بأهمية إخضاع كل طالب ابتعاث لمجموعة دورات ومحاضرات توعوية، إرشادية من أجل التزام الطالب السعودي المبتعث بقوانين بلدان تحتضنهم أعوام الجامعة، ولم نجد في سجلات الحكومة أو القطاع الخاص دورات ومحاضرات مماثلة لملايين الأيادي الأجنبية العاملة في السعودية، ومن ثم فإن من لا يرى قانونك سيعيش بقوانينه.
يأتي ذلك إلى الحياة السعودية بقائمة طويلة من (أشياء مزعجة)، تتطاير أمام أعيوننا يومياً، ابتداءً من أمطار الأرض «ببصقات» لعاب يتدفق توالياً من أفواه أبناء شعوب وبلدان لا تجد في البصق خللاً بيئياً، صحياً، اعتبارياً، أو ضد ثقافة البلدان البعيدة.
تزداد (قَرْوَنة) المدن السعودية بخضوعها التام لممارسات المتمسكين بثقافاتهم الأم، ونمط يومياتهم في بلدانهم من الأجانب، أو العرب، المتزاحمين على أطواق نجاة عمل في مطاعمها، أسواقها، فنادقها، وسائل نقل البشر، نقل البضائع، المقاهي، محطات الوقود، بقالاتها، وكذلك كل أطياف تجارة التجزئة.
يود معظم العمالة الأجنبية تقديم أفضل ما لديهم، يأملون بحيازة تجربة أكثر تحضراً، قدرات وخبرات تفتح لهم فرصة العمل في أوروبا أو كندا، لكن (هلامية) قوانين بيئات ومعايير الحياة العملية السعودية، وكذلك المعيشية تجبرهم على تقديم أسوأ ما لديهم، وهو قول ينطبق أيضاً على السعودي القادم من قريته.
تقول الكيمياء: (إن مصير الخليط دوماً تحدده المادة الأكثر حضوراً لمصلحة الكم)، ومن ثم فإن مصير حضارة المدن السعودية بات بيد أهل القرى، ولعل الإشارة إلى دليل بحجم توسونامي (الشيلات) يكفي، إذا اعتبرناه طيفاً غنائياً قروياً يتطاير بصخب من سيارات فارهة في جدة والرياض.
يكمن مأزقنا الحضاري في عدم امتلاكنا لمواصفات ومقاييس للبشر؛ الراغبين في العمل أو العيش في بيئات ذات كثافة سكانية عالية، لذلك لا نمتلك مناهج، كراسات، أو دورات تحدد مهارات إنسانية، مهنية، وحضارية مطلوب توافرها كجزء من اشتراطات حيازة فرصة العمل، والعيش في مدن كبرى، وليس السعودي القروي استثناء.
قدمت إصدارات ومنتجات بعض القرى قائمة من الاختلاف الفكري، يتصدره أطياف من العنف المتنوع، وكذلك جيش من باعة العقول للمتشددين، وذلك لأنهم في أول أيام وفادتهم إلى المدن لم يخبرهم أحد أن هذه المدينة تستحق فكراً غير قابل للاختطاف والعنف.
يأتي الحل بأن تضع كل مدينة على حدودها بوابات قانونية مكتوباً عليها (من يريد العيش في هذه المدينة، يجب أن يلتزم بقوانين تحميها بيئياً، مهنياً، إنسانياً، وفكرياً)، بمعنى آخر: أنصح كل مدينة سعودية وضع قوانين هجرة خاصة بها؛ لأن كل وافد إليها من خارجها (سعودي أو أجنبي) لا يخرج إلا على نعش غالباً.

*نقلاً عن صحيفة الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.