كفانا مناحات طائفية ولنعمل على مكانتنا

محمد المزيني
محمد المزيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

كثير من النصوص الأدبية، ولاسيما الروايات؛ تناولت عالم المتدينين وتشكيلاتها؛ كاشفة البعد الخفي للعمل التجييشي للجماعات الدينية المتطرفة، وقدرتها على إعادة تهيئة العقول والقلوب والأرواح باتجاه القيادات العليا،وكيف يتحول الهامشي إلى جوهري، والسطحي إلى معنى يغوص في صميم القضية الأسمى لكل هذه التمثيلات والتشكيلات المتمحورة حول بناء جديد منتظر هو الأمة، وقد راهن القادة على قدرتهم الفذة على استقطاب الشباب الصغار، وتحميل عقولهم الصغيرة هذا الهم العظيم؛ ليصبح كل شيء ما عداه هامشياً لا يستحق الالتفات إليه أو حتى الاعتناء به، بما في ذلك العلاقات المجتمعية العادية المرتبطة بالأهل والأقارب والأصدقاء، ليتحقق معنى الغربة في زمان (القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر).

ذاك الحديث الذي لا يفتأ الموجِّهون والقادة يؤكدونه في نفوسهم؛ لغرس معنى الغربة في أرواحهم؛ إمعاناً منهم في سلخ كل علاقة من نوع «ما» تربطهم بمجتمعاتهم، يضاف إليها تصغير كل قضايا المجتمع بما في ذلك المجتمع ذاته وتهوينها في أعينهم، حتى لَتبدو كالدبابيس المؤذية لمشاعرهم الشفافة، فمتى وصل العضو أو «الأخ في الله» إلى هذه المرحلة أمسى بمعزل عن كل المؤثرات الخارجية، ويصير عجينة طيعة بين يدي القائد يشكله كيفما يشاء، ويعيد إنتاجه ليكون مؤثراً وفاعلاً داخل المجتمع وفق التصور والمخطط المرسومين له. شعور الانتصار على الذات ومتطلباتها، وهو جوهر التخليق الجديد الذي يُصنَع بأدوات وطرائق ماهرة جداً، وكل ما يمكن أن يوصف به هؤلاء الشبيبة أنهم صادقون في انتماءاتهم وتوجهاتهم.

تناولت هذه الروايات أيضاً المجتمع الخاص بها، من خلال تجارب مباشرة كتبها شباب عايشوها؛ لذلك يفهمون جيداً آلية العمل الدقيق والمحكم، التي قامت عليها كل الاتجاهات الدينية، ولاسيما في الاستقطاب والتشكل والتبني للشاب المستهدف، حتى يصل إلى القناعة الكاملة بسمو رسالته وهدفه، حتى لو نذر روحه لها، وهذا ما دفع باحثون غربيون كالباحث الفرنسي ستيفان لاكروا في أطروحته زمن الصحوة لدراستها، بينما عجز باحثونا عن الاقتراب منها، ناهيك عن تناولها والغوص في مضامينها؛ لكشف أبعادها الخافية عن الكثير.

ومن المؤسف جداً أننا اليوم لا نستطيع أن نمارس تجاه كل ما يحدث من عمليات إرهابية سوى المناحات والشجب، وممارسة تحليلات رؤيوية مستهلكة، من نوع شباب صغار مغرر بهم، وكأننا لا نعرف أو أننا فعلاً لا نعرف، وهذه مصيبة أن كل ثورات العالم كانت تقوم على عواتق هؤلاء الشباب الصغار، فهم دائماً وسيظلون هدفاً لأي ميليشيا تمتلك لنفسها قدرة دعائية عظيمة مهما بلغ تزويرها مادامت تنهض على مبادئ يمكن من خلالها خلط الأوراق والعبث بها، وتركيب نموذج للبطولة مزور، فيما لم يستدرك قادة الفكر وصناع الوعي هؤلاء الشباب، من خلال برامج حية تفجر طاقاتهم؛ بشرط أن توافق حاجاتهم الخاصة، وعلى رأسها تحقيق الذات البطولية في نجازات تصفهم جيدا وإلا فإن الأبواب الأخرى مفتوحة على مصراعيها، ولديهم المبررات والشجاعة الكافيتين مما حقنت بها رؤسهم لتمثيل أي دور بطولي للقيام بأي مهمة تسند إليهم حتى لو كان الثمن أرواحهم، لنعترف أن المجتمع الأبوي القمعي فشل بامتياز في استلهام طاقاتهم وتعزيزها واستثمارها، في ما يخدم المجتمع.

والأدهى والأمرُّ حتى ونحن نحاول تحليل العمليات الإرهابية نسقط سقطة تالية عندما نصفهم بالشبان الصغار المغرر بهم، بمعنى أننا نكرس مفهوماً يستبطن معنى سلبياً عنهم. لا يحب الشباب في مثل أعمارهم أن يصفوا به، وهذا لعمري يسهم في توسيع الهوة بينهم وبين مجتمعهم الذي يصر على مواصلة عاداته القديمة بممارسة الوصاية على أفكارهم، لذلك أقول: لو قرأنا ما بأيدينا من تجارب شبابية حقيقية، وحللناها بوعي يعتمد على مناهج تحليل معتبرة، بعيداً عن التسويق الإعلامي الفج، سنفهم المكون الروحي والنفسي والعقلي لشبان الإرهاب، المتبوعة بدوافع غيرت من قيمهم، كما حورت مفاهيمهم تجاه ما هو مقبول وما هو مرفوض، بين القبح والجمال، بين الموت والحياة، لذلك، ما لم نتعجل في قراءتهم جيداً فسيتناسلون كالوباء بيننا، شريطة أن نقلع عن ترديد العبارات الانتقاصية لهم والاستخفافية بهم.

اليوم، دُشِّنت مرحلة جديدة في الحرب الداعشية بالاعتماد على هؤلاء الشبان، واختراقهم عبر كل الوسائل المتاحة، منها شبكات التواصل الاجتماعي، لم ينجح في ذلك لولا تقاعسنا عن استثمارها جيداً وتفعيلها بما يخدم الدين الحقيقي والوطن، ولو فعلنا لما استطاع بأدواته البشرية والتقنية التغلغل في أوساط الشباب العزل من كل شيء على رغم انشغاله في التمدد في سورية والعراق، وهو ما ساعد أيضاً على التأثير السريع، إضافة إلى الأدوات الإعلامية المعلنة المشمولة بحرب نفسية واستعراض دموي بشع من خلال حرق خصومه والتمثيل بهم، بما هو فوق المتصور والمحتمل، إلا في أفلام «هووليود»، وهذا أحد المؤثرات النفسية الموجهة إلى الخصوم، والروحية الموجهة للشبان الصغار، لتتأكد عملية التماهي معها في تجسيد دور البطولة المدفوعة بقاعدة تكفيرية، مستثمراً قيم المجتمع التي كانت تحرِّض على ذلك، وهو ما سهل عليه اختراق أرواحهم المفعمة بالتطلع إلى تحقيق بطولاتهم الخاصة.

نحن اليوم في السعودية مستهدَفون، جراء مواقف ثلة من التكفيريين الطائفيين الذين توارثوا العداء المستحكم للآخر من عمق تاريخ ملوث بالثارات والأحقاد، فنثروا بحمولته على هامة المجتمع وأطيافه، وهو ما دفع به إلى تبادل التكفير مصحوبة بالشتائم المشمولة بالكراهية، متجاهلين رسالة االدين الإسلامي الحقيقي المتمثل بالتسامي مع روح الأخلاق الخالدة، والابتعاد عن الشتيمة بوصفها واحدة من مساوئ الأخلاق، وقد تنبه بعض علماء الشيعة الأجلاء إلى هذا الأمر فحرَّموا التطاول على صحابة رسول الله، إن لم تكن عقيدة محضة فهي منعاً للفتنة التي هي أشد من القتل، ولقطع الطريق أمام دولة البغدادي المزعومة التي تسعى إلى النفاذ من خلال إحداث فتنة طائفية،كما استدرك ثلة مباركة من علماء السنة عظم التكفير المعلن فوق كل المنابر فدعوا الى نبذة وتجريمه منعا لوقوع ذات الفتنة التي قد تفتح ثغرة تحت دعاية المذهب تتسلل منها إيران لعمقناالوطني؛ فثمة أولويات مقدمة بين أيادي كل السعاة؛ لنزع فتيل الفتنة، أولها: التوقف عن التشاتم والقذف بالتهم من دون دليل، ودعاء بعضنا على بعض، واحترام الصحابة والأئمة وكل رموز التاريخ المعتبرين، وسن قوانين واضحة تجرِّم أدنى نبرة طائفية. ثانيها: منح الحرية الكاملة لكل المذاهب بممارسة عباداتها بكل حرية. ثالثها: تصميم برامج تدخل ضمن خطط التنمية؛ لصهر المجتمع في بوتقة واحدة بلا تفرقة ولا تمييز. رابعها: فتح الطريق سواسية أمام الجميع؛ للإفادة من مكونات الوطن المادية والمعنوية، بذلك فقط سنحمي لحمتنا من التفتت وبيضتنا من أن يستبيحها كل طامع وعميل مفسد، وإن لم نتعجل في ذلك فسنواجه كثيراً من العنت، وسنعاني من مآسٍ يوقعها بنا بعضنا، فما حصل في الدالوة والقديح والعنود ليس إلا بداية، قد ينقلها المفسدون إلى مساجد السنة؛ إمعاناً في خلق صدام طائفي، كما يحدث في سورية والعراق، فالشيطان يستحلي اللعب على المبادئ ذات الحساسيات الخاصة، عندها لن تنفعنا كل المناحات المفتعلة

*نقلاً عن صحيفة الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.