.
.
.
.

السعادة .. أن تعود إلى طبيعتك

نجيب الزامل

نشر في: آخر تحديث:

رمضانيات - 3

دعوني آخذكم إلى منطقة في منتهى الجمال، حيث يمتزج جمال السماء مع صخور الصحراء، وتمتزج الغيمات على الشلالات في لوحات الخضرة. حيث يبدو العنصر الإنساني في تكامل جماله. أعني ولاية "راجاستان" في الشمال الغربي من الهند. وهي ولاية الملوك والأبهة والألوان والفخامة والتاريخ المزخرف بالأحداث عبر القرون، ومن إتاحات الأساطير في مخيلات البراهما والنساك. ومعظم ممثلي "بولي-وود" هم من هذه الولاية، التي تزدحم بوسامة الرجال، وقوة بناء هيكلهم، وحسن النساء ورقة قاماتهن و جمال فيَلتهم!

نعم؟ ماذا قلت؟ فيَلة؟ هل أثّر في عقلك الصيام؟!

لا، والله. إن الملوك والأباطرة وأصحاب الثراء الكبير في ولاية راجستان من المسلمين ومن الهندوك أدركوا انطباع العظمة ومجد القوة فوق ظهر فيل ضخم.. وغالبا الأنثى. "وقفة صغيرة فسيولوجية- جغرافية: الفيَلة في الهند، وبالذات الذكور، لا أنياب لها كما هو عند أشقائها الأفارقة التي تتباهى برهبة وبريق أنيابها العاجية الطويلة. أما ما يظهر من أنياب فهو فقط للإناث من الفيلة الهندية، وهو ليس ناباً حقيقياً بل ضِرسا تمرّد وطال!". إذن كان الملوك والأمراء يظهرون على الشعب من فوق ظهر الفيل المارد، ويبدون عمالقة مهابين على عرشٍ رفيع، ولا يكتفون بذلك بل هناك فنانون ومصممون لزخرفة الفيل والرسم عليه، وصنع الجلسة الفخمة المطعمة بالجواهر والحرير التي سيجلس عليها الملك أو الخان العظيم.. وازدهر حال هؤلاء الفنانين إلى يومنا هذا. وإنك لما تسير في جادات "جايبور" العاصمة في مواسم الاحتفالات سواء الأعياد الإسلامية، أم المناسبات الهندوكية، ستجد الفيلة التي «تتمختر» لوحاتٍ خلابة من الألوان والإتقان لتتحول موكباً احتفالياً من الجمال والقوة، يسر العيون. وسترى أن أنياب الفيلة طويلة ومزخرفة أيضاً، فلا يغرنك هذا، فهي أنابيب بلاستيك بيضاء مجوفة ثبتت بمسامير بالضرس الطالع من الفيلة حتى يبدو أعظم وأفخم وأبهى. ثم إن الفيَلة تتجمع موسميا لحفل عظيم هو حفل مزايين" الفيَلة".. إي والله.

وسترى الجميع سعداء فرحين ينثرون على بعضهم في الشوارع والأزقة وبين البيوت بودرة الألوان الفاقعة حتى يتلون الناس وملابسهم وهم يرقصون جذلاً وحبورا.

يبقى السؤال: هل الفيلة الأنثى التي يمتطيها الخان الكبير، وهي في أفخم مظهرها، سعيدة؟ طبعا لا، هي تعيسة جدا. تعيسة لأنها في الأيام العادية تكون مهمتها العمل الشاق من نقل مجموعات السياح إلى قصور الملوك في الأماكن المرتفعة، إلى جرّ الأثقال. ثم إن الفيلة ليست سعيدة بالوقوف أمام الفنانين والمصممين ساعات مربوطة الأرجل كي يرسموا على جسدها اللوحات الباهرة- في النسخة الإلكترونية سأزودكم ببعض الصور-. لذا تعالت أصوات جمعيات حقوق الحيوان، والمنظمات الإنسانية مطالبة بإعادة الفيَلة إلى مرابعها في الغابات والأحراش والسهول الخالية من الفخامة، ولكن تعود إلى طبيعتها لتكمل حياتها سعيدة طليقة حُرّة.

لا أعلم لماذا شعرت وأنا أتابع وأرى الدكتور الفذ الجراح العالمي الدكتور عبد الله الربيعة وهو يقوم مع فريقه بالعمليات الجراحية الطويلة زمنا، والمعقدة جراحيا، في فصل التوأم السيامي اليمني سعيدا، حتى إنه أفطر على قارورة ماء أثناء العملية. شعرت أن الدكتور الربيعة رجع إلى طبيعته التي يحبها وينتمي إليها، إلى مرابعه بين بهو المستشفيات وممراتها، وتحت أضواء غرف الجراحة وروائح المعقمات، فعاد سعيدا.

السعادة ليست المنصب ولا الجاه ولا الصورة التي ألزم نفسي بها أمام الناس.. السعادة أن أكون أنا كما أنا.. أن أعود إلى طبيعيتي. وما أجملنا، وما أحلانا، وقد عاد كل منا إلى طبيعته الإنسانية.

*نقلاً عن صحيفة الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.