تعددت أشكال النزوح
قال الشاعر بشارة الخورى (الأخطل الصغير):
شطران قلبي ِفشطْرٌ للمقيم به
على الوفاء، وشطْرٌ للذي نزحا
عندي أن العالم العربي في محنته الأخيرة قد صحّف (والتصحيف هو خطأ القراءة) وفي الإنجليزية Missread فكأنه قرأ قوله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (لتعاركوا) وما كنا نتوقع أن تصل الطائفية فتقود إلى الإرهاب والذبح فقد حسبنا أن ذاك ذهب مع جهالة القرون وظلام التاريخ.
وصلت الحالة إلى الأمن الفردي والمجتمعي، فهاجرت الصفوة والعامة في مركب واحد عبر (القبر الأبيض المتوسط !!) بدأ الأمن في الهجرة إلى شمال الكرة الأرضية.
سمع الأمن - وهو يحسّ وصاحب عاطفة ومشاعر - سمع أن مدينة فانكوفر في كندا أخذت قصب السبق أخيراً في استبيان أنها الأولى في الأمن والأمان، فقدّم أوراقه - أي الأمن - إلى سفارات كندا في الوطن العربي. طلبوا منه إثباتاً بأن لديه رصيداً مالياً يكفي لإعالته وإعانته في النفقة والعيش، فقال لهم ليس لدي رصيد، فقد أخذوا مني أموالي... وطردوني. فقال له رجال السفارة: دعنا ندرس طلبك، ونبحثه ونُفكر فيه، وسنأخذه بعين الاعتبار. أخذوا منه رقم الهاتف أو أي أداة اتصال، وبقي الأمن في منزله خائفاً يترّقب. ومرّ زمن ليس بالقصير ولم يسمع من السفارة شيئاً، فعلم أن طلبه مرفوض.
استشار مكتب سياحة فقيل له إن شمالي الكرة الأرضيّة فيها أقاليم ودول تتمتع بالسلام وندرة الخوف. فتقدّم في الأسبوع الماضي لما شاهد جُثث الصحفيين والصحفيات، تقدم - هذه المرّة - بطلب الهجرة الدائمة والمستمرة. عرضوا طلبه على دوائر المال والاقتصاد وكان من ضمن أسئلتهم: لماذا أنت مهاجر، وعندك من الثروات والوفرة المالية الفيّاضة ما يجعلك راعياً لكل ارتقاء وتقدّم؟
لم يجد الأمن جواباً لكنه ظلّ ساكتاً وفاضت عيناه جواباً. لكنه ردد بيتاً لأبي العتاهية يقول:
هم الذئابُ التي تحت الثياب فلا
تكل إلى أحدٍ منهم بمؤتمن
نقلاً عن صحيفة الرياض