رمضان المعلم
ها نحن في شهر رمضان المبارك الفضيل، نستقبل جميعا قبلة الله ونسأله الرحمة والمغفرة والعتق من النار. ويتعلق بعضنا بأستار الكعبة أملا ورجاء، في عمرة رمضانية.
ها قد مضى عام وعاد رمضان آخر، فهو لا يخلف وعده، رمضان يغسلنا، ينفض أنفسنا فيزيل الكثير مما بها من غبار الأيام والمحن، نرق فيه ونعتصم لله في صلوات التراويح والقيام وصدقات وزكوات.
لكن رمضان يأتي لنا فنكون كما نمر على حادث نمشي الهوينا ونخشى ولكن ما ان نسير قليلا حتى ننسى منظر الحادث ونعود لسرعتنا تسيطر علينا لحظات العادة بالسرعة والانطلاق ناسين الكثير ممن علمنا رمضان وعملنا به.
رمضان جماله في التعبد وفي حب الخير وجماله ان تبقى روحه معنا ما بقينا، (المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا) هكذا علمنا رسول الله، لا نهدم بل نبني ونساند وندعم ونقوي، (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). ما بالنا يذبح بعضُنا بَعضَنا، ويتفرج بَعضُنَا على جراح الاخيرين في مختلف بلدان المسلمين؟
مشاهد تعودناها وما عادت تذرف لنا عين، آلة الطحن مستمرة في أنحاء كثيرة من عالمنا الإسلامي والعربي خصوصا.
رمضان يأتي شهرا واحدا، هو كمعلم لمليار مسلم، يعلمنا ويعيد لنا ما فقدناه طوال العام، فما بالنا يمضي وننسى ما علمناه من صبر ومجاهدة النفس، فيغلبنا هوى الانتقام سريعا ويضحي بعضنا ببعض ويتفرج غيرنا على مصائبنا عبر نشرات الأخبار، فتسيل دماؤنا أنهارا، دون أن يكون لهذا الدم حرمة؟!
يمضي وننسى ما علمنا إياه من حب الخير وحب الآخرين والصدقات، ومن منح الفقير مما نجد، ننسى بعد أن يمضي حق الجار وحب الأهل والتواصل فيما بيننا، ننسى كثيرا من الحقوق علينا ولكن نتذكر حقوقنا وقد نطلبها بصلف.
رمضان ليس شهرا للاكل وغيرنا جياع، حيث الإسراف، ليس شهرا لإطعام صناديق القمامة بملايين الريالات، لكنه شهر للفقراء والمساكين ولابد أن تبقى تعاليمه في رؤوسنا فلا نتذكرهم شهرا وننساهم دهرا، فرمضان المعلم يعلمنا فيما يعلم أن في كل نفس رطبة اجرا. هو شهر العبادات وشهر السخاء ليعلمنا البذل الكثير في مكانه الصحيح، فالصوم عبادة جزاؤها عند الله سبحانه القائل (كل عمل ابن آدم له الا الصيام فإنه لي وانا أجزي به).
تبارك ربنا وتعالى، اسبغ علينا الكثير من النعم لابد لنا من شكر نعمه التي لا تعد ولا تحصى هذه النعم لابد من اشراك الآخرين ممن فقدوها.
رحمة من الله تنزل في هذا الشهر ومغفرة وعتق من النار، فاللهم ارحمنا لنرحم بعضنا بعضنا، وصنا لنصون دماء بعضنا البعض، واجعل في قلوبنا التسامح لنغفر لبعضنا البعض ونتسامح ونعود أمة واحدة يشد بعضها البعض، اللهم أعتقنا من نار الدنيا كما تعتقنا من نار الآخرة. يا مجيب الدعوات في هذا الشهر الفضيل، نصوم ونركع ونسجد لك فاعمر اللهم قلوبنا بحبك وحب المسلمين من حولنا، فدماؤنا وأموالنا وديارنا لها حرمة كحرمة شهرك هذا.
اللهم صوّمنا عن المعاصي دوما ليس في رمضان فقط، اللهم اغلل الأيادي عن ذبح عبادك، واغللها عن هدم الديار وتشريد العباد ويتم الأطفال وترمل النساء يا واحد يا قهار اقهر الغل والحقد في انفسنا واجعل للحب والخير أبوابا لا تغلق في قلوب جميع المسلمين بمختلف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم.
اللهم آمين
*نقلاً عن صحيفة الرياض