.
.
.
.

رشقة احتجاج

هالة القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

خرج الحذاء عن دوره التقليدي من كونه وسيلة تحمي القدم، إلى أداة متعددة الأهداف، فعلى صعيد الذكريات المضحكة، عرف عند بعض أمهات الجيل الماضي كسلاح للرماية، فما إن تصوبه الأم وتلوح به عاليا في الهواء حتى ينفض الجمع المشاغب من حولها فيفر منهم من يفر إلا أنه يصيب الهدف ويقعده في النهاية، وربما ما زال جيل بأكمله يتذكر هزائمه أمام تلك الرشقات التي لم يستطع تفاديها في الطفولة. وجديا على الصعيد السياسي كان القبقاب أول حذاء اشتهر كأداة قتل في التاريخ القديم حين لفظت شجرة الدر أنفاسها ضربا تحته قبل أن تلقى من برج القلعة، ليسدل الستار على أول ملكة حكمت مصر الإسلامية بذكائها وقوتها، وقضت نحبها في النهاية بالقباقيب على أيدي الجواري، لتتعدد بعدها رشقات الأحذية في التاريخ السياسي. ففي عام 2008، فاجأنا الصحافي العراقي منتظر الزيدي حين قذف فردة حذائه الأولى باتجاه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الذي كان يزور العراق قبل نهاية ولايته، حيث رمى عليه الصحافي الفردة الأولى قائلاً: "هذه قبلة الوداع من الشعب العراقي أيها الكلب"، ثم قذف الفردة الثانية وهو يقول: "وهذه من الأيتام والأرامل والأشخاص الذين قتلتهم في العراق". ذلك الوقت هتفت العراق والدول العربية ببطولة الزيدي بعد تلك الرشقة التاريخية، وتحول "منتظر" من صحافي غير معروف إلى بطل قومي ليس في العراق فحسب، بل في الوطن العربي بأكمله، ولم ينته الأمر هنا، بل تحول حذاؤه إلى كنز أثري بعد أن اشتراه رجل أعمال مقابل عشرة ملايين دولار، ومن المفارقات العجيبة تعرض منتظر الزيدي نفسه بعد عدة سنوات إلى رشقة من صحافي ولاجئ سياسي عراقي، متهما إياه بالولاء للديكتاتورية قبل أن يصرخ في وجهه "وهذا حذاء آخر لك"، في أثناء وجوده في مؤتمر صحافي في باريس مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ليصبح الحذاء أيقونة رسمية للاحتجاجات السياسية والسلاح الوحيد الذي لا تصادره الأجهزة الأمنية.

ورشق الرئيس الإيراني أحمدي نجاد من قبل شاب سوري يدعى "عز الدين الجسام " في أثناء زيارته التاريخية لمصر وفي أثناء خروجه من مسجد الحسين، حين صرخ الشاب قائلا "جبان، قتلتم إخواننا"، احتجاجا على موقف إيران السلبي الداعم لنظام بشار الأسد. ولم تكن تلك الرشقة الأولى لنجاد، حيث ألقى عاطل بحذائه في وجهه عام 2011 احتجاجا على عدم تلقيه إعانات بطالة، خلال مؤتمر اجتمع فيه مع عمال كانوا يشتكون من عدم صرف رواتبهم لمدة طويلة في مدينة ساري الإيرانية، التي ما إن شاهده العامل حتى خلع حذاءيه، وألقى بهما في وجهه.

وسجل عام 2013 أكثر من حالة احتجاج بالرشق بالأحذية نالت من عدة مسؤولين سياسيين ورؤساء، حيث رشق برويز مشرف الرئيس السابق لباكستان بالحذاء خارج قاعة المحكمة في مدينة كراتشي عندما مر الحذاء بجانب وجهه بسنتيمترات، وفي العام نفسه رشقت مجموعة من معارضي توطيد العلاقات مع أمريكا الرئيس الإيراني حسن روحاني بالأحذية في المطار بعد عودته من نيويورك، حيث استطاع أن يتفاداها بصعوبة قبل أن يغادر.

وفي السودان قام شاب اسمه "أشرف زين العابدين" بإلقاء حذاء في وجه مساعد الرئيس السوداني نافع علي نافع، في أثناء وجوده في مناسبة اجتماعية وسط السودان، احتجاجا على مقتل عشرات السودانيين في أثناء مظاهرات كانت تعترض على رفع سعر المحروقات. وربما ما زال يتذكر البعض مشهد عبدالله صالح وهو يقذف بالحذاء من أحد الغاضبين خلال مغادرته فندق "ريتز كارلتون" بنيويورك. وفي السويد رشق السفير الإسرائيلي بحذاء احتجاجا على الهجوم العسكري على قطاع غزة، بينما كان يلقي محاضرة في جامعة ستوكهولم عن الانتخابات المقبلة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، أمام نحو 50 شخصا.

ولم يقتصر الأمر على السياسيين من الرجال، فمن ضمن النساء اللاتي نالهن "من الحذاء جانب" هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، حين رشقتها سيدة أمريكية تدعى أليسون إرنست بحذائها، في بداية كلمة كانت تلقيها في أثناء وجودها في مؤتمر بمعهد صناعات لإعادة تدوير النفايات في لاس فيجاس، حيث انحنت كلينتون وتفادت الحذاء وتناولت الموقف بفكاهة للتقليل من وطأته أمام شاشات التلفزة، التي نقلت الحادثة للعالم وهي تتدارك الموقف وتتساءل بدعابة: "هل هذا تابع لعرض سيرك دو سولاي؟". وفي المغرب قام أحد العاطلين بمدينة كلميم المغربية، برشق الوزيرة "بسيمة الحقاوي"، العنصر النسائي البارز في حزب العدالة والتنمية بحذاء تفادته بصعوبة، احتجاجا على تنصلها من المسؤولية أمام مشكلات البطالة وتملصها من تصحيح أوضاع ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولن يبقى حذاء الصحافية العدنية "ذكرى العراسي" آخر الرشقات السياسية التي سجلها التاريخ، بل هناك عدة أحذية لم تلق بعد، وتترصد بإرهابيين أمثال الحوثي كي تعانق وجوههم.

وربما يكون الحذاء الآن أكثر ما يخشاه السياسي أمام الجماهير بعد أن أصبح رمزا من رموز الاحتجاج سواء سقط على بعد متر أو سنتيمترات من وجهه، فيكفي بأنه أوصل الرسالة. ولا يخرج الحذاء من مكانه التقليدي من القدم، إلا للاستفزاز والوقاحة التي يكون عليها الديكتاتور السياسي والزعيم المستبد حين يخطب أمام الجماهير عن السلام والإنسانية ويداه ما زالتا مخضبتين بالدماء.

*نقلاً عن صحيفة الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.