طفولة العنف والدم
ذات مرة وفي أحد المؤتمرات المعنية بالدراسات النفسية في مرحلة الطفولة والمراهقة تحدث أحدهم عن نزعة العنف التي تنمو في داخل الطفل مع بداية وعيه بالأشياء وكيف تتطور وتتبلور في داخله شخصية عنيفة مع الوقت لديها استعداد لممارسة كل الأفعال العدوانية، والسبب الأساسي في كل ذلك هو البيئة التي كانت مسرحا عنيفا يشاهده الطفل باستمرار. وقد استشهد المتحدث على ما يقوله بفيلم وثائقي علمي عن بعض الأطفال الذين نشأوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية وكيف نشأت في دواخلهم نزعة العنف والميول الإجرامية عندما كبروا، وقد جعلني ذلك الحديث أبحث عن الفيلم وأشاهده كاملا بكل ما فيه من بؤس ومأساة كانت براءة الطفولة ضحيتها.
ذلك الفيلم لم يعد شيئا يذكر الآن بعد التطور الهائل في وسائل البث والتواصل وفي فترة من أسوأ فترات الإنسانية التي يتفنن فيها المشوهون في وسائل القتل ويخترعون كل يوم طريقة جديدة للإعدام يوثقها طاقم تصوير احترافي وتبث في شبكة الإنترنت لتكون في متناول كل صغير وكبير على هاتفه، بل إن بعض الفضائيات الإخبارية لا تتورع عن إعادة بثها مرات عديدة في نشراتها كأمر عادي ليس من شأنه إثارة التقزز وإحداث تصدعات في النفس من هول ما فيه.
أطفال الحرب الأهلية اللبنانية يعتبرون ملائكة عند مقارنتهم بأطفال داعش الذين نشاهدهم كل يوم في المقاطع التي يبثها التنظيم. أطفال في سن مبكرة يرتدون ملابس الحرب ويتمنطقون بالمسدسات وعلى أكتافهم الرشاشات، يطلقون النار على الرؤوس وهم يبتسمون في مشاهد تشكل أعنف وأحقر اعتداء على الإنسانية بمجملها وعلى الطفولة بشكل خاص. شيء لا يحتمل هذا الذي يشاهده العالم ويقف متفرجا عليه وكأنه لا يعنيه. جريمة فادحة بكل المعايير أن يستمر العالم بكل مؤسساته وهيئاته ومنظماته يشاهد هذه الجريمة دون فعل شيء. هؤلاء الأطفال الذين أصبحوا في بؤرة الإجرام سيكون لهم معجبون ومقلدون وسيكون إجرام الطفولة أمرا عاديا بعد وقت لأنه كان مشهدا يوميا مكررا. سنشاهد مستقبلا ما لا يخطر على بال أحد طالما هذا المسلسل العنيف مستمرا، ولن يغفر التأريخ لكل من شارك في تنفيذه.
*نقلاً عن صحيفة عكاظ