.
.
.
.

ماذا نفعل برواتبنا؟

أيمن الحماد

نشر في: آخر تحديث:

القصة التي نعرفها ونحفظها منذ الصغر عن إيسوب الإغريقي بين النملة والجندب، وما آلت إليه حال كل منهما عندما حل الشتاء هو واقع نعيشه اليوم، بين من ارتضى أخذ دور النملة المخططة والمدبرة ذات الرؤية الاستراتيجية، والجندب الذي عاش مستمتعاً بيومه دون تخطيط لأيامه المقبلة.

بالأمس هبطت إلى حسابات الموظفين رواتبهم الشهرية، وأستطيع أن أخمّن حالة الجدب الموجودة لدى الأغلبية ممن أرهقوا راتب شعبان بمصروفات شهر رمضان فبلغت حالتهم الاقتصادية وضعاً غير مريح.

الاستهلاكية صفة لصيقة بمجتمعنا الذي يعيش هذه الأيام ذروة استهلاكه على وقع موسم الشهر الفضيل وحلول أيام العيد وما يصحب ذلك من إقبال كبير على الأسواق. وهو أمر يلقي بظلال سلبية على ميزانية الأسرة التي تئن تحت وطأة تضخّم أسعار بعض السلع والخدمات من جهة، وانطلاق يد المستهلكين لشراء ما يلزم ولا ما لا يلزم من جهة أخرى، والمتمعّن في حال الأسواق في موسم رمضان والعيد يدرك مدى القوة الشرائية لدى المواطن والمقيم على حد سواء، إذ يحتد الزحام حول آلات صرف النقود ومناطق التسوق ويكثر بشكل يدعونا للتساؤل عن وضع هذه الأسر، وما مدى ملاءة المحفظة الأسرية في حال واجهت أي طارئ عند حلول منتصف الشهر.

وانطلاقاً من تلك القوة الشرائية يجدر بنا التفكير حول ما يعنيه إسرافنا وطرق تعاملنا مع المناسبات، التي تصادف، بالإضافة إلى رمضان والعيد، إقامة الزواجات والمناسبات العائلية، إضافة إلى إجازة الصيف وما تحمله من عطل ورحلات، كل تلك الفعاليات بحاجة إلى دراية وتخطيط مبكّر، وإدارة لميزانية الأسرة التي من الصعب أن تفي بتلك المستلزمات إن استمر الإسراف بالشكل الذي نراه يتحول إلى حالة مزمنة تستوجب الانتباه للهدر الكبير.. والأدهى من ذلك والأمرّ لجوء العائلات التي أرهقها الصرف وضرورة الإيفاء بالاستحقاقات الاجتماعية إلى الاقتراض أو الاعتماد على بطاقات الائتمان كحل سحري ذي أعراض جانبية خطيرة، لاسيما أن زخم العروض المقدمة من البنوك أو منافذ البيع يحفز الشعور الاستهلاكي لدينا بشكل مفرط ومؤذٍ.

الشراء والاستهلاك صفتان تلازمان المجتمعات لاسيما في مواسم أعيادها ومناسباتها، حتى أكثرها تقدّماً وتحضّراً، لكن التخطيط هو الفيصل في استهلاكنا واستهلاكهم، فالادخار صفة تلازم المجتمع الغربي مهما كان الأمر ملحّاً أو جاداً، والأكثر عملية هو تحويل الادخار إلى نظام اجتماعي وتعليمه لأفراد العائلة وحثّهم على العناية بمصادر الدخل والبحث عنها في وقت مبكر من حياتهم.

إن التحكم الشرائي ضرورة يجب أن نتعلمها ونعلمها، وما يحدث اليوم هو استنزاف كبير وطويل المدى لقدراتنا المالية، التي بالإمكان توجيهها عن طريق وضع أولوياتنا رأس كل شهر والالتزام بذلك، ورسم خارطة طريق تصل بنا إلى نهاية الشهر بكل سلام والخروج بفائض لا بعجز.

*نقلاً عن صحيفة الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.