.
.
.
.

«أحمد الشقيري» شكرا من القلب

هالة القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

أصبح حقا علينا أن نقول لك شكرا من القلب، بعد أن قضيت أكثر من عشر سنوات من عمرك توقظ الإحساس، وتخاطب الضمائر برصانة وتحرك الأنفس وتدغدغ المشاعر برفق وتلقائية بلغة بسيطة قريبة للنفس. لم يكن «خواطر» برنامجا عاديا، بل ثورة فكرية سامية تفاعل معها الشباب والشابات من جميع أنحاء الوطن العربي، برنامج معد وملهم، فتح أعين الأطفال على مبادئ وأساسيات التقطوها في مشاهد أكثر مما التقطوا من المدرسة، وألهم عديدا من الكبار في العالم العربي بأفكاره ومبادراته التي طورت وطبقت في بعض الدول العربية، والأهم نجاحه في تغيير طريقة تفكير آلاف الناس.

جاء الموسم الأول بكل بساطة بخواطر شاب، اقترب فيها من فئة الشباب بطريقة عصرية وجذابة، في حلقات كانت قريبة من النصيحة، لا تتجاوز الخمس دقائق، مطبقا خير الكلام ما قل ودل، ليجيب عن تساؤلات الشباب والشابات بطريقة محببة، مثل كيف تخشع للصلاة، وكيف تعالج نفسك بالبكاء، ومعنى مفهوم فقه الخلاف، وركزت بعض الحلقات على مجاعات الدول الفقيرة، عارضة في المقابل صور الاستهتار بالنعمة في مجتمعاتنا العربية. وحملت مقدمة السنة الثانية رسالة جميلة نصها "إنه ليس بالعلم بل بالأدب تنال أعلى الرتب"، وألقت الضوء على بعض الممارسات المزعجة التي يقوم بها المصلون أثناء دخولهم المساجد وكيف أصبح منظر فوضى أحذيتهم أمرا عاديا.

نال البرنامج بعض الانتقاد، ولكن تقبله أحمد الشاب آنذاك بكل احترام موضحا أنه "ليس شيخا وليس عالما وليس مفتيا وإنما طالب علم". في الموسم الثالث، حثت الحلقات على نبذ الخزعبلات التي تخلط بين التقاليد والدين، وأتى بمثال لعملية وأد البنات في العصر الحديث بحبسهن وعضلهن ومنعهن من التعليم والإجبار على الزواج. كانت أغلب الحلقات تحث على تغيير طريقة التفكير لكي نرى الصورة أوضح، وربما تكون أهم حلقة تلك التي تناولت رسالة الوحدة الوطنية، وأن أمتنا واحدة وهلالنا واحد وربنا واحد، في أمنية لتوحيد الصيام في الأمة الإسلامية، لنصوم معا ونفطر معا. كما حمل الموسم الرابع كثيرا من الرسائل التي تشحذ الهمم، بإزالة الغبار عن القيم المهجورة ليذكرنا بأن من يستغني يغنه الله، وكيف سيسأل الإنسان عن شبابه فيما أبلاه وغيرها من الحكم. ولاقت السنة الخامسة كثيرا من الإعجاب والجدل، حين عرضت نموذج اليابان كشعب بدأ من الصفر بعد أن دمرته القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي، وكيف تغلبوا بحضارتهم علي أوروبا وأمريكا، مطبقين أثناء ذلك جميع الأخلاق النبوية من نظام وأمانة وإخلاص وإصرار على إنجاز العمل بإتقان، مستخدمين ثقافة رفع المعايير والتطوير المستمر "كايزن" التي تعرفنا عليها ذلك الموسم. وجاءت رسالة الإحسان بوضوح أكبر في السنة السادسة، حيث كانت المحور الرئيس والذي من الممكن أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها السابق، فقارن بين حال المسلمين القدماء منذ ألف سنة والآن، وسرد الاختراعات التي ابتكروها وكيف أبدعوا في التعامل مع المشكلات الحياتية التي اعترضتهم بإحسان، مقابل ما صنعه المسلمون في السنوات الماضية! وكان العدل والفساد محور الموسم السابع، حيث استثمر السبب وراء قيام الثورات العربية بشكل إيجابي ليوضح أن "الشعب يريد" العدل والحياة الكريمة، وطرح حلول بسيطة تناسب احتياج بعض الدول العربية. كما سلط الضوء على الأعمال التطوعية التي قام بها الشباب حين منحت لهم الفرصة في الموسم الثامن وأثبت عمليا أن الشباب فيهم خير. وكانت الحكمة في الموسم التاسع "أفلا يتفكرون" الآية التي تعدد ذكرها في مواضع مختلفة في القرآن، طرحت لتذكرنا بأمور أساسية مثلا كف الأذى عن الناس عبادة. وأن ليس في الكسب الحلال عار، وكيف أن الفساد أصل كل كساد، وتم عرض عدة حلول لواحدة من أهم المشكلات التي باتت تقتل الناس لغياب الإحسان في تنفيذها "الصرف الصحي". وما زال يتذكر الكثير منا الحكمة التي قدمها البرنامج العام الماضي في سنته العاشرة، "اهدنا الصراط المستقيم" التي عرض في بدايتها قصة الأخوين المؤلمة، وكيف انعكست اختيارات وقرارات كل واحد منهما على حياته في النهاية، لتجعلنا نتمعن ونفكر ونتأمل.

ولآخر لحظة في الموسم الأخير الذي جاء بخلاصة المواسم السابقة، استمر أحمد الشقيري بزرع المعروف، وغرس فكرة تلو الفكرة بإحسان، عارضا أهم المشكلات التي تواجه البشرية على الأرض، من شح المياه، وعمالة الأطفال، وأهمية التعليم، وغياب التعامل مع فوضى القمامة، ولأن الإحسان في أداء كل شيء سر نهضة الدول والإنسان، وكانت الحكمة الأساسية في جميع المواسم، نقول لأحمد الشقيري شكرا من القلب لإلهامك ودفعك للإنسان العربي بجمال قلب يحمل هم أخيه. كنت خير عون للناس بالتنافس على الخير والإصلاح، من أجل نشر القيم المثلى لإعادة المجد للأمة الإسلامية. بدورنا نشكر زوجتك رولا وأبناءك الذين صبروا على غيابك لتخرج لنا هذا الكم الهائل من الفكر والتفكر والتدبر. يحزننا أن يكون هذا الموسم الأخير، ولكن سيظل اسم الشقيري موسما مزهرا في قلوبنا ومرتبطا في أذهاننا بالمعنى الحقيقي للإحسان.

*نقلاً عن صحيفة الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.