.
.
.
.

«ماتت بالحسرة ومظلومة منكم»

هالة القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

وقف الأبناء يصرخون في ذهول وفزع في موقف مهيب تقشعر له الأبدان غير مصدقين, بعد أن سقطت والدتهم أمام أعينهم خارج مبنى عمادة القبول والتسجيل في جامعة تبوك دون حراك. لأن المكان "غير مهيأ لاستقبال النساء", طلب منها الموظفون أن تنتظر في السيارة, وهم يعرفون أن مكيفات السيارات لا تبرد جيدا في وضع الوقوف, وبدلا من أن يبدي أي موظف شيئا من إنسانيته كأي رجل ذي مروءة ويسحب كرسيا للمرأة لتجلس حتى تهدأ نفسها, تجاهلوا مشاعرها وكيانها (كأم) واستدعوا رجال الأمن, لأن ما يهمهم في الموضوع أن "المكان غير مهيأ لاستقبال النساء" مع أن المرأة رحمة الله عليها كانت تقف كأي مراجع وسط أسرتها ومع زوجها, أي لم تكن بمفردها, ليظهر الوجه البشع والحساسية المبالغ فيها ضد تواجد المرأة في الأماكن الرسمية مع أن السواد كان يلفها من رأسها إلى قدميها, ولم يشفع لها وجود أفراد أسرتها.

ومع أن المقاطع المصورة التي شاهدناها كانت لأبنائها وهم يحملونها في سيارتهم, إلا أن المتحدث الرسمي أصر وبقوة على أن إسعاف الجامعة هو الذي نقلها, وعلى الرغم من تأكيد الزوج أنها لا تشكو من أي مرض، بل أصيبت بصدمة عصبية جراء عدم قبول ابنتها في الطب, والتلاعب بتغيير اختياراتها بعد أن حصلت على نسبة 99.85, ووصف كيف كان الهم يلازمها طوال شهر رمضان, وكيف أن مراجعتها المتكررة لم تحقق أية نتيجة, إلا أن بيان الجامعة "شدد" على أن ما تعرضت له والدة الطالبة كان حالة إغماء ليس لها علاقة بالنقاش الذي حدث! وكأننا لم نر ولم نسمع ما قالته للموظف الذي كانت تسأل عنه بالاسم. المهم أن توثق الجامعة في البيان أنها خرجت إلى مواقف السيارات مشيا على الأقدام لتبرئ ساحتها! ولم يكن من الضروري إخراج الأم في شمس الظهيرة الحارقة, دون اعتبار للحالة النفسية الصعبة التي انتابتها, كان من الممكن أن تصطحب إلى أي مكتب مع أسرتها لينتظروا حضور الوكيل, ولكن يبدو أن إبداء شيء من الرأفة والإنسانية أصبح يخرق لوائح الجامعة, أليس من المروءة أن يقدم لها على الأقل كأس من الماء بدلا من إخراجها تحت الشمس. في بعض المواقف لا يتطلب الأمر منك سوى أن تكون إنسانا أكثر.

ما أثار حفيظتي، ردة فعل المتحدث الرسمي باسم الجامعة حين سأله مذيع الإخبارية "وصلتوا أم الطالبة بإسعاف؟" ليجيبه بثقة دون تردد بالإيجاب، وبأن بيان الجامعة واضح! وحين أعاد المذيع سؤاله جاء رده بذكاء منقطع النظير حين قال: "الآن الهدف هل هو نقل المتوفاة رحمة الله عليها أم قبول الطالبة" ليتبعها بضحكة غريبة، مع أن الموقف لا يحتمل تلك المراوغة للتملص من الإجابة، ولا أدري كيف أتته القدرة على الضحك على مرأى ومسمع من أسرة فقدت للتو والدتهم! وإذا كانت تلك ردة فعله وأسلوبه أمام مصيبة أسرة على الهواء وأمام المشاهدين، فكيف ستكون مع الطلاب خلف الأبواب المغلقة؟!

ربما يكون البيان قد كتب بطريقة محكمة لسد الثغرات, ولكن من المؤكد أن من كتبه لم ير مقطع نقل الأم بواسطة سيارة الأسرة, ويكفي خطأ مثل هذا لينسف مصداقية وشفافية البيان ذي الثلاث صفحات بأكمله, والذي ذكرني في سرعة صدوره ببيان أمانة جدة فور سقوط الطفل منشو ووالده في فتحة تصريف العام الماضي! وكعادة بعض الجامعات حين تتسبب لوائحها الداخلية في كارثة إنسانية, يخرج بيان مقتضب اللهجة, لا يفتقر فقط لأبجديات التعامل مع المواقف الصعبة, بل تفوح منه رائحة التنصل من المسؤولية والاستعداد الكامل للانقضاض على الضحية وأسرتها وتحميلهم المسؤولية, تماما مثل البيان الذي أصدرته جامعة الملك سعود لتبرر تقصيرها وتخلي مسؤوليتها عن موت طالبة الماجستير, حين منعت دخول الإسعاف محتمية خلف لوائحها المقدسة العام الماضي.

من جانب آخر، إلى متى ستظل "الأمهات" يطردن من المؤسسات التعليمية بحجة أن المكان "غير مهيأ لاستقبال النساء" وكأنهن يدخلن قاعة أفراح مخصصة للرجال؟ أليس الأم أيضا من أولياء الأمور، ومن حقها أن تفهم وتتابع ما يحدث لابنتها؟ الأمومة يا سادة لا تجزأ، هل أصبحت الأنظمة تشترك رسميا في مصادرة حق الأمومة وتحدد لها متى تصبح أما ومتي عليها أن تتوقف!

مع الأسف يستمر الرجل الخفي في جامعاتنا بالتفنن في صناعة مزيد من التعقيدات والعراقيل, ويعيش حالة إنكار دائم لوجود صخرة الفساد والمحسوبيات, التي اعترضت طريق كثير من الطموحات وتحطمت عليها أحلام عديد من الطلاب والطالبات, الذين كان عليهم استجداء أحلامهم ورغباتهم على باب العميد أو الوكيلة! وبعد فوات الأوان ذكرت الجامعة في بيانها أنها ستحقق رغبة الطالبة بعد أن أدركوا أن ثمن الخطأ الفادح الذي اقترفوه, راحت ضحيته أم "ماتت بالحسرة ومقهورة منهم".

رحم الله "رحمة" وأسكنها فسيح جناته، نسأل الله أن يربط على قلوب أبنائها وزوجها بالرحمة والسكينة وأن يكرم نزلها، وعظم الله أجورنا في موت الإنسانية.

نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.