النداء الأخير
من بين أفضل المميزات التي يتمتع بها سكان الخليج منذ قرون وعلى مدار التاريخ السفر للتجارة أو السياحة وسهولة تنقلهم وإتاحة الفرص لهم دون مشقة أو عناء، فالتواصل بين الثقافات المختلفة والحضارات المتنوعة تكسب الفرد معارف وخلفيات ثقافية ثرية.
وعندما يتطلب مشروع السفر حالة استثنائية لها قيمة تكاليف محددة تتطلب عمل دراسة استقصائية للأوضاع الاقتصادية في العالم، وبذلك تكون قد خططت بشكل جيد واطلعت على آفاق الاقتصاد في الدولة التي قررت الذهاب إليها سواء كان الطلب فردياً للسياحة أو مبعوثاً للدراسة.
وعادة يهدف السفر إلى المعرفة أو الترفية ونوع من التغيير والبحث أيضاً عن مناخ بارد، ومشاهدة معالم سياحية جديدة، تنقلها سلفاً مجموعة من وسائل الاتصال الحديثة التي ترسل صوراً جميلة إلى الأذهان تكتظ بالعروض والمعلومات السياحية، فمع تطورالعلوم ونظم المعلومات الجغرافية تطورت الخرائط والمطويات ودليل الأماكن الأثرية وسهولة المعلومة والأماكن المختلفة في العالم.
حيث تلتقي الثقافة والتاريخ، والمعالم الأخاذة إضافة إلى الأجواء الباردة والنسائم العليلة والطبيعة الخلابة، وتشتاق مسامعنا إلى ذلك الصوت الذي يصدح في أنحاء المطارات منادياً، النداء الأخير أعزائي المسافرين إلى لندن أو أي عاصمة فاتنة، الرجاء التوجه إلى البوابة رقم 37 أو غيرها من الأرقام.
عندئذ يتجه المغادر بشغف صوب أبواب الخيال والمتعة، ويجزل من العطايا على ذاته نصيباً وافراً وغير ذلك من الخيرات التي تفيض على حياته بالسعادة والسرور، وتعبر عن مهارة سياسية اجتماعية تمكن الفرد من اختيار الأماكن السياحية المتميزة.
وهنا يستدرجنا الاعتراف بأن التحدث عن أسفارنا ورحلاتنا إلى دول أخرى، إنما هو بعض من أحداث سعيدة فيها تجارب عديدة اكتسبنا منها مفاهيم وعلوم مختلفة أثرت ثقافتنا العامة، وأضافت مخزوناً من المعلومات حقق وعياً وإدراكاً مستنيراً، فضلاً عن معلومات وصفية تسكن في الذاكرة إن صح التعبير لتكوين مفاهيم متطورة لها القدرة على التعبير عن الواقع..
ويمكننا القول إن الإنسان بطبعه يميل إلى المعرفة وهدفه الأساسي إيجاد انسجام بين حياته وغاياته، ففي وسعه أن يمزج بين الحياة العملية والسعادة فالمزايا والقدرات التي حباها الله له من ذكاء ومقدرة خاصة ينظم بها ما يرجو ويطمح، ويصنع من الفرص ما يبهج حتى يبلغ أغراضه، ويمزج بين هدفه الأساسي وما يتوفر له على نحو ملائم، فإن خير مايعنى به المرء هو ما يحبه وما يعتقده وما يقتنع به، فالمسافر العربي تنهال عليه العروض والبرامج ولا يجد مشقة في الاختيار والقرار.
وقال فرانسيس بيكون: (إن الرجل الحكيم يصنع من الفرص أكثر مما يجد والصغير يتعلم من السفر الدقة والكبير يكتسب الخبرة).
فإذا كانت فوائد السفر تطور أدوات العلم والمعرفة كتقنية منهجية وتحقق الفهم، فالأجدى استمرار برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، من أجل روح علمية جديدة تركيز على بعض الخصائص ذات الأبعاد الكبرى.
وما من شك أن علاقة الجمال – جمال الطبيعة – بالإنسان تثري وجدانه الحسي بامتياز وتجعله يصور سائر تجاربه حاضراً مضيئاً له معنى يتحرر من جمال الحقيقة إلى حقيقة الجمال.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"