.
.
.
.

لندن تقول: للصبر حدود

حمود أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

منذ بداية الطفرة الأولى كانت عاصمة العراقة لندن محط أنظار الأثرياء الجدد، ليس لأنهم يعرفون رمزيتها ويبحثون عن تفاصيل التأريخ ودهشة الطبيعة، ولكن لأنها لندن فقط، وقد تماهت لندن مع التدفق المالي من جيوب القادمين، فتسامحت مع فوضاهم وهيأت لهم من الأماكن ما يرضي بطونهم وغرائزهم المادية، وتعايشت مع العباءات والخادمات الآسيويات والكروش المكتنزة بالشهوة والأطفال العابثين، وسلمت أمرها لله بسبب القوانين المحترمة التي أنتجتها الديموقراطية العظيمة.
الآن بدأت لندن تواجه جيوش الطفرة اللاحقة، الطفرة المتأخرة التي أنتجت جيلا جديدا من الزوار اللندنيين بمفاهيم جديدة وأكثر سذاجة من مفاهيم الرعيل الأول. حوالي نصف مليون خليجي يتدفقون عليها في الصيف، ومع محاولتها استيعابهم إلا أنهم "زودوها حبتين" كما يبدو، وأصبحت مضطرة للتفكير في حماية سكانها وضمان هدوئهم وسكينتهم، والحفاظ على صورتها وسمعتها التاريخية. القادمون من بلاد بني يعرب، وخصوصا شبابهم، ابتدعوا موضة جديدة في السنوات الأخيرة هي اصطحاب سياراتهم الفارهة ليس لاستخدامها بشكل حضاري كما يحق لهم، وإنما لإرباك إيقاع الشوارع وهدوء الأحياء السكنية وأحيانا مضايقة المارة ومخالفة نظام الوقوف في الأماكن العامة، وغير هذا من السلوكيات البدائية التي لم تعد تتحملها لندن بعد أن تحملت الكثير. هؤلاء الشباب الذين يدللهم آباؤهم بشكل غبي وجدوا ثروات في أرصدة آبائهم لا حد لها، والآباء لم يتعبوا كثيرا في جمعها وليس لهم هدف أخلاقي من المال ولا فلسفة إنسانية في التصرف فيه، وبالتالي يتم استخدامه بشكل همجي أحيانا، ومع أنه لكل إنسان الحق في كيفية التصرف بماله، إلا أنه ليس مباحا له أن يزعج به البشر في بلدانهم وهو مجرد زائر لهم. إن الإنسان السوي يخجل من رؤية سيارة مرصعة بالكريستال الفاخر أو مطلية بالذهب أو مزينة ببعض فصوص الألماس يقودها بفوضوية مراهق عابث في أهم شوارع لندن ويزعج بهديرها آخر الليل سكان الأحياء الهادئة الذين ينامون مبكرا ويستيقظون مبكرا. فلسفة غبية في الاستعراض والتباهي والتفاخر بين شباب لا يعرفون معنى السياحة واحترام القوانين، ويظنون أن ثراءهم كفيل بخرق كل أنظمة العالم وقوانينه.
أتمنى ألا تتردد لندن في تفعيل قوانين صارمة لحمايتها من هؤلاء الفوضويين، وأتمنى لو اجترحت قانونا يتيح لها مصادرة تلك السيارات وبيعها في مزاد يذهب ريعه لفقراء العالم

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.