.
.
.
.

لأننا لا نشعر!

خلف الحربي

نشر في: آخر تحديث:

من يصدق مرت 25 سنة على غزو صدام حسين للكويت؟، أظن أن الكثير من القراء الكرام الذين عاشوا تلك اللحظة المأساوية لا يعرفون كيف مرت كل هذه السنين بسرعة على ذلك الحدث الذي لازال يلوح في أذهاننا وكأنه حدث بالأمس القريب.
ولكن حين قامت بعض وسائل الإعلام قبل يومين بعرض أفلام وتقارير عن ذكرى الغزو العراقي للكويت شعرت بأن ما شهده العالم منذ تلك اللحظة حتى اليوم كان يحتاج مائة عام على الأقل كي يحدث، فكل شيء قد تغير. الأسماء والوجوه والدول وموازين القوى وقوائم الأصدقاء والأعداء، وليس كل ذلك بسبب الغزو العراقي للكويت فقط بل بسبب الكثير من الأحداث الجسام في تلك الفترة الساخنة مثل انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط الشيوعية وقيام الاتحاد الأوربي واتفاقية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وسياسة القطب الأمريكي الواحد.
كانت هذه التغيرات الهائلة تحتاج زمنا معقولا كي يستوعبها العقل العربي المذهول ولكن لسوء الحظ جاءت أحداث 11 سبتمبر بعد عشر سنوات وما تلاها من غزو لأفغانستان واحتلال أمريكي للعراق لتعيد بعثرة الأشياء المبعثرة أصلا في زوايا العقل، وما أن مرت عشر سنوات أخرى اعتقدنا أن فيها فسحة لتأمل ما حدث حتى جاء الربيع العربي ليعصف بكل هذه الأفكار المبعثرة من جديد ليصبح استيعاب ما حدث خلال ربع قرن مسألة شبه مستحيلة.
واليوم حين تشاهد فيلما وثائقيا عن الغزو العراقي للكويت تشعر بأنه يتحدث عن عالم آخر غير هذا الذي نعيش فيه وعن دول أخرى غير تلك التي نسير في طرقاتها، يكفي أن تشاهد لقطة لوزير الخارجية السوفياتي أو أخرى لمعمر القذافي أو ثالثة لاجتماع مجلس قيادة الثورة العراقي كي تدرك حجم التغيير الذي أصاب العالم منذ تلك اللحظة حتى اليوم، لقد هرمنا.. كما قال ذلك العجوز التونسي.. ولكن دون أن نصل إلى أي لحظة تاريخية نسعى إليها بل كانت اللحظات التاريخية تتقاذفنا في كل الاتجاهات وكنا نطير باستسلام مثل أي كرة خفيفة معبأة بالهواء.
وها نحن اليوم نقف في نفس المكان رغم تغير كل شيء من حولنا، نواجه نفس الخطر ولكن من أطراف أخرى، تتغير عناوين الأزمات ولكن المعادلة القلقة تبقى على حالها: النفط تحت الأرض وبوارج الطامعين ملء البحر، ولا خير فينا إذا بقينا هكذا نتفرج على العواصف التي هزتنا من جذورنا ثم ننساها تماما ولا نتذكرها إلا حين تظهر لقطات منها في فيلم وثائقي فنتساءل ببراءة: يا الله كيف مرت علينا كل هذه السنوات دون أن نشعر؟!..والجواب: لأننا لا نشعر!.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.