خدعوك فقالوا: اصرف ما في الجيب
لم يعد مجديا أن نكتب الآن عن نجاحات وإخفاقات خطط التنمية التسع الماضية في إزاحة هموم وهواجس الاعتماد الكلّي على النفط وتنويع مصادر الدخل. ولم يعد مهما أن نعدّد كم كتبنا ورجونا مؤسسات الدولة والأجهزة الحكوميّة التنفيذيّة عبر الصحف ووسائل الإعلام وفي الندوات الخاصة والعامّة ونحن نحذّر من أن الطفرة البتروليّة مؤقتة ولا بد من استثمار عوائدها في مشروعات إنتاج حقيقية ترفد الموازنة العامة وتهيئ فرصا أكثر لمئات الآلاف من الشبان والفتيات القادمين إلى سوق العمل. وأذكر أنني كتبت على صفحات هذه الجريدة مطلع 2012 مقالا بعنوان "أمنيات خمس في الطفرة الحاليّة..؟" وفي مساء ذلك اليوم هاتفني مسؤول "يمون" في جهة يعنيها الأمر ممتعضا وهو يؤكد أنني لا أرى المشروعات القائمة ولم أقرأ خطة التنمية التاسعة التي وضعها خبراء في كل مجال.
لا بأس ولن نكون - إن شاء الله- ممن يتلاومون. وكون بعض المخططين يرون أننا لا نفهم كما يفهمون لهذا سأتوجه للأسرة السعوديّة برسالة تذكير للمبادرة في ترشيد الاستهلاك والنفقات لعبور المرحلة القادمة من تقلّبات الاقتصاد العالمي التي هوت بأسعار النفط بشكل مباشر. لقد خدعنا أنفسنا حين خدعونا فقالوا اصرفوا ما في الجيب، في حين أن في كتاب الله آيات للمتدبرين وسورة يوسف تزخر بالعبر الاقتصاديّة الادخاريّة.
ويكفي للمتأمل في مؤشرات الإنفاق العام والخاص أن يعرف أن أسعار النفط - مصدر الدخل الرئيس - تهاوت بشكل مطرد منذ شهر يونيو 2014 حين كان سعر خام برنت قريبا من 110 دولارات للبرميل لينحدر بشكل كبير إلى حافة 40 دولارا للبرميل، وقت كتابة هذا المقال أي بنسبة هبوط بلغت حوالي 63٪. وبهذا السعر يسجّل النفط أدنى مستوى له منذ الأزمة الماليّة العالميّة في 2008م.
لنقل إن المؤسسات الرسميّة ستبدأ في وضع استراتيجياتها وخططها وفق المعطيات الجديدة؛ ولكن ماذا عن الأسرة السعوديّة؟ تقول بعض التحليلات إن معدّل الإنفاق الحالي للطبقة الوسطى يفوق المعدلات العالميّة قياسا بإنتاجيّة الفرد ومساهمته في سوق العمل. وفي تقرير لمصلحة الإحصاءات العامة يتبيّن أن متوسط إنفاق الأسرة السعوديّة الشهري على السلع والخدمات الاستهلاكيّة وغير الاستهلاكيّة عام 2013م بلغ 15367 ريالاً، أي بزيادة نسبتها 16٪ مقارنة مع عام 2007م. وبحسب دراسة منسوبة لبنك التسليف والادخار في المملكة فقد أظهرت النتائج أن "الطفرات الاقتصاديّة التي مرت على السعوديّة في الثلاثين عاماً الماضية أدت إلى اختفاء ظاهرة الادخار، وتسببت في سيادة الطابع الاستهلاكي".
وفي حوار أسري حول الأوضاع الاقتصاديّة ودور الأسرة مازلت أتذكر عبارات قالها أحد المجرّبين في الحياة حول ثقافة العمل والاستهلاك حين قال مختصرا حوارنا: يا ولدي منذ أن نستيقظ فجرا وحتى نعود إلى منازلنا آخر الليل لا نُخرج من جيوبنا ريالا واحد لنقدمه إلى مواطن سعودي.. كل التجارة والخدمات بيد غير المواطنين فكيف نعزّز ثقافة العمل ونتّقي الاستهلاك؟
وحتى ننجو من وعثاء الاقتصاد واضطراباته ربما علينا على المستوى الأسري وضع تدابير ترشيد لثقافة هدر المياه والكهرباء والاعتماد المتزايد على المطاعم والإنفاق غير الضروري على فواتير "الجوالات" والاستعراض بالسفر واستسهال أخذ القروض الاستهلاكيّة. ومن باب الترشيد أيضا يُفضّل أن نفكّر في مؤازرة كل من يقرّر ترشيد مظاهر "الهياط" الاجتماعي في الولائم والمناسبات. والله غالب على أمره.
* مسارات
قال ومضى: قلب بلا ذكريات.. أشبه بالقصر المهجور..
نقلاً عن صحيفة "الرياض"