الجامعات السعودية وتطوير المهارات
لا شك أن العملية التعليمية في تطور مستمر، سواء من ناحية المحتوى أو الوسائل المستخدمة، وفي الجامعات يشكل عضو هيئة التدريس والطالب محور العملية التعليمية، فمن غير المنطقي أن يبقى عضو هيئة التدريس حبيس المعرفة التي حصل عليها عندما أنهى دراساته العليا، فالمعرفة وأساليبها وطرقها في تطور مستمر ومتراكم، والطالب يتأثر بالبيئة والتطور التقني الهائل حوله والذي بدأنا نشاهده ونلمسه ونعيشه، لذلك لا بد للجامعات من مواكبة تطورات العملية التعليمية في مجالاتها كافة؛ لمساعدة الطالب في استيعاب المعرفة وأساليبها، فأصبحت الدورات الداخلية والخارجية لأعضاء هيئة التدريس في غاية الأهمية.
لقد سنحت لي الفرصة حينما اختارت جامعة الملك سعود ممثلة بعمادة تطوير المهارات جامعة جنوب فلوريدا في تامبا مكاناً لدورة أعضاء هيئة التدريس لهذا العام بأن أكون أحد المستفيدين من هذه الدورة. تعتبر جامعة جنوب فلوريدا USF إحدى الجامعات الأميركية التي تحظى بسمعة أكاديمية جيدة، وتقع في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، وأنشئت في عام ١٩٥٦، وهي ثالث أكبر جامعة في ولاية فلوريدا والثامنة على مستوى الولايات المتحدة الأميركية، ويبلغ عدد الطلاب لدى الجامعة ٤٧١٢٢ طالباً وطالبة، وهي مميزة ورائدة في مجال البحوث والعلوم الطبية، حيث حصلت على المركز التاسع حول العالم في عام ٢٠١٠، كأكثر الجامعات حصولاً على شهادات براءة اختراع، وحصلت على ما يزيد على ١.٨ بليون دولار أميركي في ذلك العام، و20 من كليات الدراسات العليا لجامعة جنوب فلوريدا حصلت على ترتيب ضمن أفضل ١٠٠ كلية في عام ٢٠١٢، بين جامعات أميركا، كما أنها من أفضل مراكز البحوث في مجال معالجة أمراض الزهايمر ومرض باركنسون وكذلك داء هنتنغتون.
لقد قامت عمادة تطوير المهارات في جامعة الملك سعود، ومن خلال برنامجها لتطوير مهارات أعضاء هيئة التدريس، بالاتفاق مع جامعة جنوب فلوريدا على استضافة دورة مدتها خمسة أيام لعدد من أعضاء هيئة التدريس خلال الفترة من 3 إلى 7- 8-2015، سبقها بأسبوع دورة مماثلة لعضوات هيئة التدريس، وفي الجامعة نفسها، إضافة إلى عدد آخر من الدورات، سواء في أميركا أو في دول أخرى مثل كندا وبريطانيا؛ للتعرف على آخر مستجدات تطور التعليم والتعلم في تلك الدول المتقدمة؛ لينعكس إيجاباً على العملية التعليمية في الجامعات السعودية، ومنها جامعة الملك والتي تضطلع بمهمة رئيسة في التعليم العالي مع الجامعات الأخرى.
لقد تمحورت مواضيع الدورة حول السبل المثلى للتعلم النشط، وهو ما يعزز المفهوم الجديد بأن العملية التعليمية في الجامعات هي تفاعلية بين الطالب والأستاذ، ويساعد عضو هيئة التدريس على تقويمه لمدى استفادة الطلاب من محاضراته، ومعرفة الأسس النظرية والعملية للوصول إلى عقل الطالب وجعله يتفاعل بشكل إيجابي ويشارك في العملية التعليمية بفاعلية، لخلق جو من التفاعل بين الطلبة أنفسهم ومع أستاذهم، وكذلك استخدام الوسائل المثلى التي تساعد الطالب في التعلم، وزرع روح القيادة فيه، ومواكبة التطورات التي يشهدها هذا الطالب.
لقد لفت نظري خلال هذه الدورة مركز الطاقة الشمسية في الجامعة، حيث تم تشييد منزل تعمل كل الأجهزة الكهربائية فيه على الطاقة الشمسية، حتى إن فاتورة الكهرباء تكلف في هذا المنزل 65 دولاراً في السنة، وهذا رقم يدل على مدى فائدتها واقتصاديتها.
وهناك مكتب بحوث لطلاب البكالوريوس يساعدهم على عمل البحوث والتدرب عليها، لذلك وصل دخل الجامعة من البحوث فقط إلى 400 مليون دولار سنوياً، إضافة إلى أن لديها مراكز صحية متقدمة تقدم من خلالها خدماتها للمجتمع، عبر مستشفيين تعليميين في الجامعة.
كما لفت نظري مبنى كبير لمركز الجامعة للبحوث والابتكارات.
إن البحث في مجال الطاقة الشمسية مهم جداً للمملكة العربية السعودية، ولذلك يفترض أن الجامعات السعودية تنشئ مراكز بحوث خاصة بالطاقة الشمسية وتتعاون في ما بينها من خلال هذه المراكز للاستفادة من نتائج بحوثها، والاستفادة كذلك من خبرات الآخرين كجامعة جنوب فلوريدا وغيرها من الجامعات العالمية، وما وصلت إليه من نتائج في هذا المجال، وهو ما يوفر استهلاك النفط في الكهرباء وغيرها، إضافة إلى تدني كلفتها في إنتاج الكهرباء وهو ما شاهدناه في جامعة جنوب فلوريدا، لذلك من فائدة هذه الدورات هو ليس الاطلاع على آخر التطورات في التعليم والتعلم فقط، بل الاطلاع على التطورات البحثية وآخر ما وصلت إليه؛ لمواكبة التطورات في العملية التعليمية ككل، في المحتوى والوسائل وكذلك مواكبة تطور وتغير عقلية الطلبة، فطالب اليوم يختلف عن طالب الأمس، والوسائل تتقدم بشكل سريع للاستفادة من إمكاناته وتوظيفها بشكل جيد لمساعدته ليكون باحثاً ومفكراً جيداً.
أعتقد بأن اهتمام الجامعات السعودية بعضو هيئة التدريس سينعكس إيجاباً على العملية التعليمية بشكل عام، ويستفيد الطالب والمجتمع من تطوير الجامعات لمنسوبيها، فالجامعات هي من ينير العقول ويؤسس للاختراعات، فالتعليم هو الأساس في أي عملية تنموية، فبالنظر إلى العديد من الدول، وعلى سبيل المثال كوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان، ليس لديها موارد طبيعية، لكنها استثمرت في التعليم من خلال اقتصاد المعرفة، فطورت مواردها الصناعية، وأصبح الإنسان، ومن خلال التعليم، هو محور الاهتمام التنموي في هذه الدول، وهو ما تسير عليه هذه الدولة الرشيدة الآن في تنوع استثماراتها للطاقات الشابة في مجتمع وجامعات المملكة العربية السعودية.
نقلاً عن صحيفة "الحياة"