.
.
.
.

من يحمينا من ألسنتنا ؟

عبده خال

نشر في: آخر تحديث:

خط الشيب رأس عبدالملك بن مروان مبكرا، وهو لا يزال في الثلاثين من عمره، فقيل له:
ما هذا الشيب يا أمير المؤمنين ؟
فقال كثرة صعود المنابر..
وفي إجابة الخليفة عبدالملك بن مروان حقيقة مخبأة، وهي أن صعود المنابر وارتجال الحديث للناس أمر في غاية الصعوبة والخشية، مما يجعل المتحدث متخير الألفاظ التي تخرج من بين فكيه.
إلا أن من يصعد المنابر هذه الأيام لا يلقي بالا لما يقول وما سوف يقول وأثر ما يقول على الناس.
وفي زمن الفضائيات نشاهد يوميا برامج تخصص تحت إطار ديني فيظهر من خلالها العالم ونصف العالم والجاهل، وكل واحد منهم لا يحتاط مما يقول فتتداخل الآراء الشخصية مع الجانب الفقهي (وكثير منهم لا يستحضر الآراء الفقهية المختلفة حول القضية الواحدة)، ومن هنا تدخل آراء هؤلاء المتحدثين كفرض إلزامي.. وأدعي أني متابع لكثير من تلك البرامج والقاسم المشترك بينها أن المتحدثين يفتون في أي سؤال يرد إليهم وكم كنت أتمنى أن يقول أحد منهم: إن هذه المسألة لم ترد علي أو أحتاج الوقت للمراجعة أو يقول لا أفقه في هذه المسألة والله أعلم.. كلهم جاهزون للإجابة..
وكثير من تلك الفتاوى الحديثة يكون المتحدث غير ملم بطبيعة الحدث أو أبعاده أو لا يعرف ماهيته، ولكي لا يظهر أمام الجمهور أنه أقل من المرتبة التي وضع فيها فتجده يقول ما لا يقال و(يحوس) الدنيا بآرائه الشخصية بينما يظن العامة أن ما قاله الشيخ هو دين الله فيحدث الخلط بين التأويل وبين ما ارتضاه الله لخلقه من خلال المحرمات التي جاءت في كتابه من غير إضافة، وثمة أمنية تراودني في تلك البرامج، أتمنى أن أسمع أحدهم يقول: لا أعلم، خاصة في القضايا المستحدثة.. أو أمسك اللسان في القضايا التي لا تؤجج الإرهاب أو تسهم في نقل الإسلام بصورة متوحشة أو أنه دين جاء من أجل السبايا وجز الرؤوس.
وثمة قاعدة معروفة عند العلماء لا تجيز الحديث عما لا يفقهه العامة.
وغالبا ما تدور نقاشاتهم العميقة بين الخاصة وعدم إفشائها لعابري السبيل وقليلي الإدراك.
هذه القاعدة كسرت في الوقت الراهن بسبب ثورة الاتصالات، فغدونا نسمع ونرى (غسل الملابس) في كل مكان.
ومن الخطورة على أي مجتمع تحريك الكراهية الطائفية، ودفع الناس للتناحر اللفظي في البدء ثم خلق ترسبات من التشاحن تفرز فيما بعد انشقاقا اجتماعيا لا يمكن رأب صدعه.
وفي وقتنا الراهن زاد الصراع الطائفي وغدا حاضرا بقوة بسبب الإذكاء الإعلامي من هنا وهناك، مما جعل العامة يخرجون مخزونهم من الأقوال المحفوظة عن غلاة هذه الطائفة وتلك، وكل فئة تتطرف في اتهاماتها للفئة الأخرى من غير دراية معرفية حقيقية بالفوارق أو معرفة حقيقية بالأمور التي تجتمع عليها كل الطوائف المذهبية ألا وهي التوحيد وبقية الأركان الأساسية، هذا التحريك الطائفي كانت شرارته منطلقة من شخص أو شخصين ارتجلا الحديث فوقع الفأس بالرأس ليتم تناقل ذلك التحريض عبر وسائل الإعلام لتتحول إلى مادة للحديث في المجالس والمنتديات والمقاهي.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.