تقاسيم (الحملة ضد التطرف... ومربع التنظير)

علي القاسمي
علي القاسمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

نتناول أشواك التطرف وهي بالغة الأثر والتأثير، والسكوت عنها طوال عمر طويل عائد لغياب التعريف الحقيقي لمفردة «تطرف»، وتمييعها بخبث لا سيما أن ثمة سقوطاً مفاجئاً وبلا مقدمات لمصطلحات كانت في حاجة للتمهيد والشرح وتقديمها على طاولات الخطورة والخوف والريبة، نيابة عن مرورها وديعة هادئة على اعتبار أنه لا شيء يستحق أن نعرفه عنها أكثر من إضافة شكلية لمخزون معرفي هش.

لو طلبت من أحدهم أن يشرح لك ماذا يعني التطرف أو يقدم ببساطة شديدة مفهومة عنه؟ لتأكدت من أن مصطلح التطرف دخل للأجواء في مشهد ملغم مجهول، وبات التحذير منه كمصطلح في إطار تنظيري عام لا يصل بنا لنتيجة واضحة أو يضع النقاط المناسبة على الحروف المحتاجة، ولنظل منذ تذوقنا مرارته في مربع التحذير منه من دون أن نقفز لمربعات أكثر فعالية، ومن الأجدر أن نذهب لها فعلاً.

السؤال الساخن يقول: هل لدينا تعريف صريح واضح شامل لمفهوم المتطرف؟ ما أراه أننا نظن أن ثمة معنيين، عامّاً لا يعنينا، وآخر تستدعيه لوازم الخصوصية وحاجتنا الماسة إلى تفكيك الضمائر المستترة والأدمغة التي تمكنت من اللعب على أطراف هذه المساحة الملغمة، بينما الملموس أننا نسافر مع المعنى الذي نعتقده عاماً ولا يعنينا شقيقه على الإطلاق، ونضيق دائرة التعريف لتكون دائرة الانجراف في تنظيمات مشبوهة أو الطلب بقوائم إرهابية معلنة.

هل نتوقف مع التطرف عند التعريف الدارج الشهير وأنه استخدام «وسائل غير مقبولة من المجتمع مثل التخريب أو العنف للترويج لجدول أعمال معين»، حصره في هذا التعريف ممهد لنمو متطرفين لا يتحركون في هذا الإطار ولا يقربهم اتهام ولا مساءلة، لكنهم يدفعون بمن يتحرك ويلعب في بطن التعريف بعد نزع العقل تماماً بمباركة دروس التحريض والتجييش والحقن.

معلوم تماماً من هم أكثر الذين يمارسون التطرف، وقد نراوغ ونختلف ونغضب إذا ما ذهبنا بهدوء لسر هذه الممارسة، وما المكاسب التي يراد من ورائها، ولا أظن عاقلاً يجهل السر والمكاسب وإن جهلها، فذاك يقود لأن هناك من يعبث به في الزاوية التي يعبث بها ممارسو التطرف وصانعوا طائراته الورقية الساقطة مع الوقت، ولا أظن عاقلاً أيضاً يحب أن يكون فريسة لذئاب خارجية جائعة أو جسداً فارغاً يوجه لمخططات الدفاع بالنيابة وتجارب قطع الرؤوس وقذارة الأحزاب والجماعات المجتمعة على مصلحة والمتفرقة على مصلحة أخرى، لكن بيننا متطرفون بالسر يعجبهم أن يحترق الأبرياء من أجل نوايا سامة، وأهداف للإطاحة بأي شيء.

قد تصنع الرياضة متعصباً، وتجتهد المدرسة لبناء متعلم، ويساهم الشارع في تنشئة «شوارعي»، وقد تقنعنا الشاشات بـ«رمز»، وقد تضحك علينا دكاكين بيع الكلام بـ«مناضل»، لكن الظروف الحرجة والتحديات المصاحبة لها شرحت لنا كم من اسم «مزيف»، وكم من متطرف مسكوت عنه لأننا لم نصل بعد لآلية ضبط جريئة ولا نزال في الدائرة الضيقة والاتهام المطاط بالتطرف لمن يُضْبَط صراحة في فعل إرهابي أو ينزلق لسانه بجملة لا تقبل التأويل ولا التبرير، لتظل حماستنا في جمل التنظير من دون أن نذهب لما هو أدق وأخطر في مأساة «التلوث الفكري».

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.