قصة ابتعاث السعوديين إلى أميركا من الألف إلى الياء

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

ازدهرت العلاقات السعودية الأميركية التي نشأت منذ أكثر من ثمانية عقود بشكل متزن على مر السنين، وذلك في مختلف المجالات، مدفوعة بتطابق الرؤى والمصالح المشتركة بين البلدين، لتشمل في مطلع الخمسينيات الميلادية النواحي العلمية، انطلاقاً من رؤية الملك عبدالعزيز آل سعود التي سعت لإقامة علاقات دولية واسعة مع دول العالم تتسم بالتعاون المثمر والبناء من دون الإخلال بالقيم الإسلامية السمحة.

وبعد أن دخلت المملكة مرحلة اقتصادية جديدة في البلاد اعتمدت فيها على عائدات النفط، اتجهت إلى منح التنمية دفعة قوية نحو التقدم والنهضة، مركزة في تلك الخطوة على النهوض بالمواطن السعودي عبر إلحاقه بالتعليم والارتقاء بفكره في مختلف مجالات المعرفة الدينية، والإنسانية، والعلمية، بوصفه الثروة الحقيقية للوطن التي لا تنضب.

واستهلت المرحلة الجديدة بموافقة الملك عبدالعزيز على إنشاء المدارس في مختلف مناطق المملكة، واستقطاب الخبرات العربية للتدريس فيها، فضلا عن إطلاق الابتعاث الخارجي للدول العربية عام 1346هـ الموافق 1927م، تطورت فيما بعد إلى الاستفادة من بقية دول العالم مثل: أوروبا وأميركا.

وشكّل الملك عبدالعزيز لجنة لدراسة مشروع الابتعاث ووضع الخطوط الرئيسة له، وعرضت عليه - رحمه الله - نتائجها، وأمر حينها أن توفد أول بعثة تعليمية سعودية إلى مصر وضمت 14 دارساً، وتخرجت أول دفعة منهم عام (1354هـ ـ 1935م ) لتستمر بعد ذلك البعثات إلى لبنان وبعض الدول العربية، ووصلت في مرحلة أخرى إلى دول أوروبا وأميركا.

واختلف المؤرخون حول بداية تاريخ الابتعاث إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية إلا أن عام 1355هـ / 1936م عده الكثير منهم بداية فعلية للابتعاث الرسمي للطلبة السعوديين إلى أوروبا، أما بالنسبة إلى أميركا فكانت أول دفعة سعودية رسمية تخرجت في الجامعات الأميركية كانت عام 1372هـ / 1952م، وضمت تسعة طلاب فقط، ثلاثة لدراسة البكالوريوس، وستة لدراسة الماجستير.

وأفاد تقرير للملحقية الثقافية السعودية في الولايات المتحدة الأميركية أن الراحل عبدالله بن حمود الطريقي أول وزير للبترول والثروة المعدنية في المملكة كان أول مبتعث سعودي للدراسة إلى أميركا عام 1367هـ، أعقبه تحويل بعثة 30 طالبا سعوديا من طلاب شركة أرامكو السعودية من الجامعة الأميركية في بيروت للدراسة في جامعة تكساس الأميركية عام 1368هـ.

ودعا ذلك التطور في البعثات العلمية السعودية إلى الولايات المتحدة إلى الإسراع في افتتاح أول مكتب ثقافي للإشراف على المبتعثين السعوديين في أميركا، وذلك عام 1371هـ، ليكون رابطا مع المملكة في الأمور الثقافية والتعليمية والعلمية، وافتتح في البداية كمكتب ملحق في مندوبية المملكة لدى الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، وانحصرت مسؤولياته في الإشراف المالي والاجتماعي على هذا العدد المحدود جدا من الطلاب المبتعثين، ولم يعتد بهذا المكتب كأول مكتب رسمي إلا بعد أن انتقلت تبعيته من المندوبية إلى وزارة المعارف آنذاك.

وعد المختصون في مجال التعليم غرة محرم من عام 1376هـ الموافق السابع من شهر أغسطس عام 1956م التاريخ الرسمي لافتتاح أول مكتب ثقافي في تاريخ الابتعاث السعودي بأميركا، وأطلق عليه المكتب الثقافي السعودي بنيويورك.

وشهدت هذه الفترة تضاعف أعداد المبتعثين السعوديين إلى الولايات المتحدة الأميركية ليبلغ عددهم عام 1974م (800) مبتعث، ولم يمضِ العام حتى قفز هذا العدد بصورة غير مسبوقة إلى نحو (2039) مبتعثا، وأدت هذه الزيادة، فضلا عن استمرار رغبة الحكومة في تشجيع الابتعاث إلى إعادة النظر في طريقة الإشراف على الطلاب والتفكير في إنشاء المكاتب الفرعية، وانتقال إدارة الإشراف على المكاتب الثقافية إلى وزارة التعليم العالي بدلاً من وزارة المعارف، كما انتقل المكتب الثقافي من مدينة نيويورك لمدينة هيوستن عام 1975م.

وصدر قرار مجلس الوزراء بإنشاء ثمانية أفرع للمكتب التعليمي السعودي في أميركا، يتولى كل منها عملية الإشراف العلمي والاجتماعي والمالي على الطلاب المبتعثين وأسرهم في مناطق تجمعهم، ووصف المكتب الفرعي الذي تم افتتاحه في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا عام 1398هـ بداية فعلية لتجربة إنشاء هذه المكاتب.

أما عام 1400هـ فإنه يمثل نقطة الذروة الأولى في تاريخ الابتعاث السعودي للولايات المتحدة، حيث تجاوز عدد المبتعثين لدى المكتب التعليمي في هيوستن 11 ألف مبتعث ومبتعثة، وكان ثلث هذا العدد من الإناث، وعدت أعلى نسبة على مستوى الابتعاث الخارجي للفتيات السعوديات.

وشكّل عام 1408هـ البداية الفعلية للملحقية الثقافية في ممارسة مهامها من العاصمة الأميركية واشنطن بأسلوب يتماشى مع السياسة الجديدة التي وضعت من أجل تركيز المسؤولية في جهة رسمية واحدة، وُمنحت الصلاحيات التي مكنتها من تمثيل المملكة ووزارة التعليم والجامعات السعودية وجهات الابتعاث المختلفة تمثيلا "مناسبا" في كل ما يتعلق بالشؤون الثقافية والدراسية والعلمية في الولايات المتحدة.

وتعكس هذه الفترة ثمار ابتعاث الطلاب والطالبات السعوديين وإنجازاتهم، حيث عاد للمملكة خلال السنوات الأربع الأولى منذ بداية عمل الملحقية عام 1408هـ (5436) خريجاً بلغ عدد الحاصلين منهم على درجة الدكتوراه (519) مبتعثا.

وكان عام 2005م منعطفا في تاريخ العلاقات بين البلدين، إذ أعلنت عن بدء الابتعاث الخارجي، ووضعت الضوابط الضرورية لتذليل العقبات أمام السعوديين الراغبين في دخول أميركا، بما في ذلك الطلاب الذين يرغبون مواصلة تعليمهم فيها، والإعلان عن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي الذي بدأت نواته في أميركا، وامتد فيما بعد ليشمل دولا عديدة لها مكانتها وباعها في تصدير العملية التعليمية واستقبال المبتعثين السعوديين.

وأوضح الملحق الثقافي في الولايات المتحدة الدكتور محمد بن عبدالله العيسى أنه وفقا لإحصائية عام 2015م، فقد بلغ عدد الدارسين الذين تُشرف عليهم الملحقية ( 125513 دارسًا ودارسة)، منهم: 75205 مبتعثين ومبتعثات (57303 مبتعثين و 17902 مبتعثة)، وعدد 40804 مرافقين ومرافقات (8807 مرافقين وملحقين بالبعثة) و ( 31997 مرافقا عاديا غير دارس)، و( 9504 ) من الدارسين على حسابهم الخاص.

وبلغ عدد المرشحين للقبول لمرحلة الدكتوراه بلغ (627)، و(1397) لمرحلة الزمالة الطبية، و(6741) لمرحلة الماجستير، و(1726) لمرحلة بكالوريوس الطب والعلوم الطبية، وحصلت التخصصات الطبية على أعلى معدل بنسبة 40ر37%، تليها الهندسة والحاسب الآلي 20ر22%، فالمالية والاقتصاد 07ر17%، متبوعة بالعلوم الأساسية بنسبة 36ر12%، ثم تخصصات (الإعلام الرقمي، السياحة والفندقة، وعلم النفس الإكلينيكي) 51ر5%، والقانون 45ر5%.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.