التعليم الأهلي وارتفاع الرسوم
ارتفعت مؤخرا رسوم العديد من المدارس الأهلية في أنحاء المملكة كما هو معتاد في السنوات الأخيرة، ولكن هذا الارتفاع أتى هذه المرة في توقيت مباغت تزامن مع انطلاق العام الدراسي الحالي، مما أربك الكثير من أولياء الأمور الذين لم يجدوا متسعا من الوقت لدراسة خيارات أخرى، خاصة أن الكثير منهم لم يضع في الحسبان إقرار أي زيادات في الرسوم بعد أن أصدرت اللجنة الرئيسية للرسوم الدراسية بوزارة التعليم في شهر جمادى الآخرة قرارا بتثبيت الرسوم الدراسية لأكثر من 2.500 مدرسة ومنعها من زيادة الرسوم لمدة عامين، وهي المدارس التي كانت قد تقدمت العام الماضي بطلبات لزيادة رسومها وحصلت على موافقة الوزارة، ولكن تظلمت العديد من المدارس لاحقا سواء لدى الوزارة أو المحاكم الإدارية، ونجحت بعضها في زيادة رسومها بنسب تفاوتت ما بين 20 إلى 40 بالمائة.
ولا شك أن وزارة التعليم بذلت خلال العام الجاري جهودا ملموسة لتنظيم الرسوم الدراسية في المدارس الأهلية والأجنبية، حيث أصدر وزير التعليم الدكتور عزام الدخيل تعميما منذ أكثر من سته أشهر بإيقاف أي زيادة للرسوم الدراسية، ما لم يصدر قرار من اللجنة الرئيسة باعتمادها، كما فتحت الوزارة مجال استقبال طلبات التظلم من أولياء أمور الطلاب والطالبات، ووجهت المدارس الأهلية والأجنبية في شهر مارس الماضي بتحديث بياناتها في برنامج «نور» والتسجيل في البرنامج الإلكتروني للرسوم الدراسية لكي تتمكن الوزارة من مراقبة الرسوم.
ولكن هذه التوجهات يقابلها ضغوط شديدة من قبل المستثمرين في قطاع التعليم الأهلي لرفع الرسوم الدراسية، ولديهم تظلمات مدعومة بمبررات ارتفاع تكلفة التشغيل وقرار إلزام المدارس برفع الحد الأدنى لرواتب المعلمين والمعلمات السعوديين والسعوديات العاملين في القطاع الخاص بحيث لا تقل عن 5 آلاف ريال مضافا إليها (600) ريال كبدل نقل، بالإضافة إلى الخلافات القائمة بين صندوق الموارد البشرية «هدف» والمدارس الأهلية حول إيقاف دعم الصندوق خلال فترة الإجازة الصيفية والمقدر بـ 50 % من راتب المعلم والمعلمة، والإشكالات القائمة بين ملاك المدارس والمعلمين في مسألة دفع الرواتب أثناء العطل الرسمية، وهذه الأوضاع دفعت قرابة 130 مدرسة أهلية خلال العام الماضي إلى رفع دعاوى تظلم.
والواقع هو أن وزارة التعليم تحاول أن تدعم وتقدم تسهيلات لقطاع «التعليم الأهلي» كاستراتيجية أساسية، خاصة أنه يوفر قرابة 11 مليار ريال في كل عام من حجم الإنفاق على التعليم في المملكة، ولذلك وافقت الوزارة على رفع رسوم عدد من المدارس الأهلية بعد تقبل المبررات، كما استجاب وزير التعليم هذا العام لطلبات ملاك المدارس الأهلية والأجنبية بتمديد فترة التسجيل الإلكتروني لطلبات زيادة الرسوم الدراسية لـ 700 مدرسة أهلية لمدة أسبوعين إضافية على المدة المحددة، كدعم للمستثمرين في هذا القطاع ورغبة في إتاحة الفرصة والوقت الكافي لجميع المدارس الأهلية والأجنبية دون استثناء، مع التأكيد على أهمية التزام هذه المدارس بتحقيق الجودة والتميز في العملية التعليمية والتربوية وارتباط الرسوم التي يتم إقرارها بتحقيق هذا الهدف.
والبعض يرى أن المستثمر في قطاع «التعليم الأهلي» جشع ويبحث عن تحقيق أكبر قدر من الأرباح، خاصة مع التقارير التي أشارت إلى تلاعب بعض المدارس في تحصيل رسوم إضافية على رسوم التسجيل وغير مسجلة في نظام «نور» مثل رسوم الزي الرياضي والكتب والأنشطة الترفيهية وغيرها.
ولكن الحقيقة وبعد تفحص واقع التعليم الأهلي على مستوى العالم سواء على صعيد المدارس أو المعاهد أو الكليات والجامعات، سنجد أن مكمن الخلل مرتبط جذريا بمنهجية فتح الباب على مصراعيه للمستثمرين، وهو ما أفضى إلى أن غالبية مؤسسات التعليم الأهلي في المملكة أصبحت مؤسسات «ربحية»، وهو ما عزز أيضا ثقافة «بفلوسي» أو شراء العلم بالمال، التي أصبحت نهجا سلوكيا لدى الكثير من الدارسين على حسابهم الخاص، بينما مؤسسات التعليم «الأهلي» المتميزة حول العالم الأول شرقا وغربا هي مؤسسات «غير ربحية» وأوقاف علمية، ويعود ريع الرسوم التي يدفعها طالب العلم أيا كان حجمها على تنمية هذه المؤسسات، وهؤلاء الطلاب عادة يحصلون على منح دراسية أو مساعدات مالية لتسديد الرسوم، وهذه المؤسسات تدار وفق مبادئ ومعايير «الحوكمة» أي إدارة متسقة وسياسات متماسكة تنتج نمطا مجديا من النتائج الجيدة، وهذا النوع من المؤسسات يدعم ماديا من قبل الأثرياء ورجال الأعمال الذين يفككون ثرواتهم ويهبونها لدعم المؤسسات الأكاديمية الخاصة، وبهذه المبالغ أسسوا أقوى جامعات العالم الخاصة مثل جامعات هارفرد وبرينستون وييل وكارنيجي-ميلون وغيرها.
أما مؤسسات التعليم «الربحية» في أوروبا والولايات المتحدة ودول شرق آسيا فينظر لها بأنها «غير أخلاقية» وهي محدودة وتقييمها الأكاديمي متواضع، فبريطانيا -على سبيل المثال لا الحصر – لا يوجد بها مدارس «ربحية» (معتمدة)، ولا يوجد بها سوى مؤسسة تعليمية ربحية واحدة «معتمدة» من التعليم العالي وهي «جامعة القانون».
لذلك.. منظومة «التعليم الأهلي» في المملكة تعاني من إشكالية في الرؤية والرسالة والأهداف مقارنة بمفاهيم «التعليم الأهلي» وقيمه ومبادئه المتعارف عليها في العالم، ويكفي أن نقول إن مستثمريهم يصرفون أموالهم من أجل تعليم الآخرين.. أو اقتدوا بمقولة طه حسين الشهيرة: «التعليم كالماء والهواء».
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"