.
.
.
.

حمار «أبو ذيب»

عبد الله الناصر

نشر في: آخر تحديث:

كان لدينا في الدرعية رجل يقال له "أبو ذيب" من أهل البادية، ويسكن في أطراف البلد، وكان صاحب أغنام، وماشيه وكان لديه حمار وكلب.. أما الحمار فكان ضئيلاً لا يتجاوز وزن تيس متوسط الحجم وكان يمتطيه للذهاب إلى السوق، أو لصلاة الجمعة.. ولست أدري كيف كان ذلك الحمار الصغير الضئيل قادراً على حمل "أبو ذيب" فقد كان رجلاً طويلاً جسيماً.. وكان يثني رجليه فوق ظهر الحمار إذا ركب.. ولا أزال أذكره "ببشته البني" والحمار يفحص الرمل تحته في مشقة، وجهد وعناء، وقد غاصت حوافره في الرمل والبطحاء، فيتعثر ويتلكأ، فيلكزه أبو ذيب فيرفع المسكين رأسه، وكأنه يطلب الغوث والرحمة، وقد تعالى زفيره، وزحيره وفحيحه.. منذ ذلك الحين وبسبب ذلك المشهد الجائر، فقد انطبعت في ذاكرتي صورة لقسوة الإنسان وجبروته وظلمه..

هذا عن حمار "أبو ذيب" أما كلبه فقد كان عقوراً شرساً.. كان يربطه بسلسلة في النهار، ويطلقه في الليل لحماية أغنامه من اللصوص، والذئاب.. ولكن "أبو ذيب" إذا خشى الزوار أو الثقلاء، أو إذا لم تكن لديه رغبة في أن يزوره أحد في ذلك اليوم، فإنه يقوم بإطلاق الكلب من سلسلته.. حينها لا أحد يستطيع أن يقترب، أو أن يمر مجرد مرور من حول بيته، خوفاً من سطوة ذلك الكلب الشرس المسعور.. أما إذا ربطه فهذا يعني أن الزيارة مسموحة وأن المرور من حول البيت مباح..!! لذا فكان الناس إذا أرادوا الذهاب "لأبو ذيب" لشراء الأغنام أو للزيارة.. فإنهم يتطلعون مسبقاً ومن بعيد ليتأكدوا من أن الكلب مربوط في سلسلته، أما إذا رأوه يدور حول المكان، أو يقف على المرتفعات، فإنهم يولون منه فراراً ورعباً..!!

صورة ذلك الكلب الشرس، هي الأخرى لا تزال عالقة في ذهني، كصورة من صور التخويف والظلم والترهيب، ممن يملك قوة التحكم، والتسلط، والرعب والإخافة.! ودعوني أقول لكم، وبأمانة من يمتعض من ظلم وجبروت الإنسان وقسوته، إنني ما سمعت، وما رأيت، وما قرأت شيئاً عن منظمات حقوق الإنسان، أو العدل الدولية، أو هيئة الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن.. أو الاستخبارات العالمية وعملائها وكلابها، أو المنظمات الصهيونية وخنازيرها القذرة في المنطقة، إلا تذكرت "أبو ذيب" وحماره المضطهد، وكلبه الشرس المسعور.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.