للحياة حيل سردية

عبده خال
عبده خال
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

المكان كائن حي يحوم في ذواتنا من غير معرفة.
لقد سبقت المخيلة الشعبية العلوم الإنسانية الحديثة في الوصول إلى أثر المكان على شخصية الفرد، وهذا السبق نتاج تجربة حياتية كتبها الإنسان عبر أحقاب زمنية مختلفة وجد فيها أن الحياة هي ملحمة روائية ضخمة سلكت أحدث التقنيات، وحين تتخمر هذه الحياة في ذهنية الروائي يحاول التربص حركية الحياة واقتناص جزء حركي لتجسيده في عالم مكتوب.. نحن نعيد الحياة بآلية رتيبة عما هي عليه، نحول تدفقها إلى كلمات وشخوص وأمكنة مختيلة فيما تحول الحياة كتابتنا إلى مادة لها لتسخر من عملية اقتناص فاشلة..
المخيلة الشعبية وقفت على هذه المخاتلة المتبادلة بين المكان والزمان من وقت مبكر .. إن التقسيمات المبكرة لمزاجية الإنسان وتصرفاته هي إحدى الركائز في انطلاق البشرية لفهم تشكلات الإنسان وتناقضاتها فحين يصم شخص شخصا آخر بأن نجمه هوائي أو ناري أو ترابي أو مائي هي مفردات أخفت خلفها علما غزيرا.. فهذه الذاكرة صنفت الإنسان وفق مناخية تبرر سلوكيات الأفراد وربما تتمادى في هذا التصنيف لتربط هذا الكائن بأثر النجم على حياة الإنسان، وهذه الإشارات هي إشارات تفضي للمكان بصورة أو أخرى.. وحين جاء مونتسكيو mont esquieu في كتابه «روح القوانين» للقول: (إن الأحوال الجوية من حرارة وبرودة وجفاف ورطوبة تؤثر على أعضاء الجسم الإنساني من الناحية الفسيلوجية والسيكولوجية والعقلية وإن المجتمعات تتفاوت طبقا لخصائص الناس التى تتفاوت بدورها تحت تأثير اختلاف الأحوال الجوية.)، لم يكن سابقا للمعرفة الإنسانية البسيطة في اكتشاف هذا الأثر.
أذكر في طفولتي الأولى ذلك الجراد الموسمي الذي يهل بين مزارعنا بلونه الأخضر الداكن، يجاور سنابل القمح ويقرض سيقانها تالفا محصولا كان يقف بحصاده في عيوننا..
فرحتي بذلك اللون المخضر لجراد عرفته فيما بعد مغبرا جعلني من وقت مبكر أعرف بعض الحيل السردية للحياة، آمنت الآن أن الحياة ملحمة روائية ضخمة.. لو أردت العودة لزمن الطفولة سأجدني أقف على ثعابين عبرت فناء بيتنا في المساء وتركت حيلة سردية أخرى، في تلك الأيام عرفت أن الثعبان يتخلص من جلده في مواسم محددة تاركا أثر هذه العملية التنكرية بجلد شفاف سرعان ما يفقد جماليته التكونية مع اللمس وتجد بجوارك إجابة الكبار بأن الكائنات تستعد لمواسمها.
الهواء يتحول إلى نذير بقدوم الوادي، أو يخبرنا عن عملية مد وجزر يلعبها البحر، أو دنو تلقيح النخيل، نذكر ذلك المهندس المعماري حين أوكل إليه بناء مدينة بغداد فوقف في أماكن كثيرة يذري ترابها واختار الموقع الذي بنيت عليه بغداد.. اختاره بعد أن ترك به قطعة لحم لم يصبها العطب خلال ثلاثة أيام فعرف أن المكان صحي.
وربما مفردة حربائي قيلت مئات المرات على مسامعنا من غير أن نقف على العمق الدلالي لهذه المفردة، فالحرباء أو الجرادة أو الثعبان هم ينفذون سطوة المكان عليهم، هم يستجيبون للغة المكان.
ورغم معرفة الذاكرة الشعبية بأهمية المكان إلا أنه ظل في أذهاننا حاضرا حضور الأشياء الميتة.
فالمكان ليس فضاء نصيا فقط هو محرك ومحراث للشخصية، وهو المغذي لحياتنا وسلوكياتنا وأمزجتنا، فهو الرحم التي تشكل حركتنا، ولم يتنبه الكثيرون أن للمكان لغة وشخصية حية مؤثرة في المنتمين له تجعلهم يتقلبون وفق مزاجية المكان المرتبطين به..
أمقت كثيرا أولئك السطحين الذين يقفون أمام الأعمال الروائية بمجهر ذي عدسة قاتمة، أو شفافة ويحكمون قبل أن تلامس أهدابهم عدسة المجهر.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.