.
.
.
.

الشورى وملف الاستقدام

عيسى الحليان

نشر في: آخر تحديث:

يروى أن أحد الثيران قد أدخل رأسه في جرة فخار ولم يستطع إخراجه منها فاحتار الناس هل يقطعون رأس الثور أم يكسرون الفخار، فجاءوا بشيخ القبيلة لاستشارته في هذا الأمر الجلل والذي وقف على الحادث بنفسه، وعندها قال لسيافه اقطع رأس الثور، ثم قال للخادم اكسر الفخار وأخرج الرأس، التفت بعدها على من حوله بكل زهو وخيلاء قائلا: الأمر ليس بهذه الصعوبة.. ولا يحتاج لكل هذا الهرج والمرج!!
وأنا أقرأ مطالبة أعضاء مجلس الشورى بإعادة ملف الاستقدام إلى الداخلية بدلا من وزارة العمل تذكرت هذه القصة لأن إجراءات الوزارة لم تسهل أو تخفف على المواطن ولم يتم تحسين مستوى الخدمة، بل زادت سوءا وتعقيدا، وفي الجانب الآخر فإن العمالة الأجنبية لم تقل في البلد بل إنها ازدادت أو قل تضاعفت!!
مأساة أن يطالب أعضاء مجلس وطني بحجم وأهمية مجلس الشورى بإعادة هذا الملف الهام والحساس للداخلية لأن هذا بحد ذاته يشكل نكسة حقيقية للمشروع مؤسسيا ويطيح بفكرة الإصلاح الهيكلي برمته، لاسيما أنه يفترض لهذا الملف أن يكون قد تطور وازدهر لأنه عاد لمكانه الطبيعي، خلاف أن الداخلية بالإضافة إلى عملها الأساسي المتمثل في حفظ الأمن في البلاد، إلا أنها مثقلة أيضا بمؤسسات وطنية كالجوازات والأحوال المدنية وسلاح الحدود وإمارات المناطق وغيرها مما لا يتسع المجال لذكرها، لكن الأعضاء الذين يتحدثون في المجلس بصفتهم «مواطنون» أحيانا قبل أن يكونوا أعضاء هم معذورون في ذلك - وإن كانت هذه الفكرة تعد «رده» هيكلية - حتى ولو طالبوا بإلحاق الاستقدام بالصحة أو البلديات وذلك بحكم اليأس.
من السهل إلقاء الكلام على عواهنه واتهام جهة ما بالفشل وهو للأسف ما أصبح أمرا شائعا ودارجا في ثقافتنا الاجتماعية والإعلامية، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الوزارة لم تحقق نجاحا يذكر في ملف الاستقدام برمته كما كان متوقعا لا من الجانب الاستراتيجي حيث لم تستطع تقليل مدخلات الاستقدام (النوعي والكمي) كما خططت أو قل «تخيلت»، ولا من حيث الجانب الإجرائي ومسألة الارتقاء بالخدمة والذي لا تعذر عليه الوزارة لو عذرناها بالجانب الأول وهو ماجعل الكل يردد بصوت واحد «الله يحلل الحجاج عند ولده».
أنا واحد من المصفقين عند إلحاق هذا الملف بالعمل باعتبارها جهة الاختصاص، وكنت أعتقد أنه سيزدهر معها على الأقل من الناحية التنظيمية الإجرائية حتى وإن لم تحقق شيئا من الناحية الاستراتيجية، لكن ظني خاب مع الأسف ولم تعمل الوزارة على تطوير هذا الملف بما يكفي، وتم إدارته بفكرة «المنع» التي تسيطر على العقل الباطن لـ«المخطط الداخلي»، كما لم تفلح في رفع آداء الموظفين الذين يتعاملون مع المواطن مباشرة.
بالمقابل لا يمكن تحميل وزارة العمل أوزار ثقافتنا العمالية الخاطئة والتي تراكمت مع السنين وأسفرت عن هذا الواقع المزري والمعقد لسوق العمالة المنزلية، وهي مسألة لا تسأل عنها الوزارة فقط بقدر ما يتحمل مسؤوليتها كل مواطن في هذا المجتمع ويتحمل تبعاتها ربما أكثر من الوزارة نفسها.

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.