تقاسيم (هبوط من السماء)

علي القاسمي
علي القاسمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

لا أحد يغرر بأبنائنا، يخرجون من بطون أمهاتهم وهم مهووسون بالجهاد والتطرف والتكفير، يولدون بتشوه فكري وعدم قدرة على التمييز بين الوطن والأمة، لا يعترفون بالوطن؛ لأن الحليب الذي رضعوه مع أمهاتهم كان من ماركة «أمة»، حملوا رداء كل الجنسيات والأقطار! وأين ما حل انفجار في مساحة ما كانوا له في الخطوات الأولى متابعين ومتحمسين ومتعاطفين، ثم تسرع خطاهم وعواطفهم، لا عقولهم، بتأثير الغسيل للمشاركة كوقود ونار. الجنوح الفكري مولود فيهم بالفطرة، ثم عزز فيهم مع مرور الزمن ومراحل المراهقة من خلال بوابات التغريب والتشويه وحملات معاداة الإسلام ونظرية المؤامرة وما إلى ذلك من المصروفة مجاناً؛ لتصد النظر عن الخيانات الكبرى. الأسطر السابقة تعجب من لا يزال راكباً رأسه، ويحاول عبثاً إقناع العامة أن مسرحية التغرير بالشباب واستخدامهم أدواتٍ وأسلحةً بشرية رخيصة هي مسرحية خارجة عن اليد، وخارجية التأليف والإنتاج والتنفيذ والإخراج.

لا أحد ينكر حجم التجييش الدعوي الذي سُكِبَ في آذاننا أعواماً طويلة، ولا يتجاهل ذلك إلا مريض. كيف تحولت القضايا الإسلامية والعربية إلى هاجس قاتل منعنا حتى من العيش بهدوء، وأسهم في نشوء مَنْ يحرض ويصطاد في الماء العكر، وفوق ذاك يقدم شبابنا بدم بارد، وهو لا يجرؤ على الاقتراب من رصاصة ملقاة على الأرض. لا ننسى أيضاً الضغط الرهيب الذي تحملته عواطفنا حين كانت تقع تحت تأثير عالي المستوى وبالغ الدقة والتخطيط من المبدعين في التأثير ورواد الكلام والنافذين بالصوت.

إذا حل السؤال الشرس: من غرر بأبنائنا ودفع بهم إلى حرائق الجوار، وجعلهم شباب العالم؛ فقداً للوعي، ورغبة في خوض ميادين الحروب والدفاع بالنيابة؟ لتعثرنا في ورطة الأسماء وكان كل منا يرى اسماً بعينه يمثل القائد لهذه المهمة الجبانة والجاذب لأصابع الاتهام؟ هل لأنهم كثيرون أم نحن شاكون ولا نزال في حيرة من هوية أبطال الداخل في مهزلة التغيير وسحق الأدمغة وإحراق قلوب الأمهات والآباء قبل الخطة القذرة المتمثلة بإحراق الشباب بالتدريج وبدعوات الجهاد وصيحات الرجولة ونداءات الأخطار المحدقة بالدين والأمة.

أن يكون شبابنا حطباً للنيران المحيطة على تنوعها وتمددها وطول مدتها فذاك يؤكد أن بيننا من يعمل لأجل غيرنا، ومن يتلذذ بخيانة وطنه وطعنه في مقتل، عبر استهداف شبابه واستثمارهم في مشاريع الانتحار، ومصانع التفجير، وعمليات التصفية البشرية. لن يعترف أحد بأنه أسهم في مأساة التغرير وتقديم الشباب لحمامات الدماء، وسينفي المتهمون فعل ذلك؛ لأن الجبان يظل جباناً والخائن لا يمكن وصفه بكلمة أخرى أدق وصفاً من خائن، لكننا في حاجة إلى تقديمهم، معرفتهم، تذكرهم، تعريتهم. التدقيق في ما قدموه سراً وعلناً، فشبابنا ليسوا بأرخص من تجارتهم الرديئة ولن يكونوا الورقة الأسهل في مشوارهم متقلب المصالح.


نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.