.
.
.
.

المصالح الموقتة.. لا تصنع الثقة

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

من الثوابت القطعية المتفق عليها في محيط الشرق الأوسط للأعوام الثلاثة الماضية أنه لا تفاؤل بمستقبل مشجع لسورية، إلا في رحيل كامل تام للرئيس الطاغية، وأي عبث على طاولات التشاور والتفاهم في شأن غير هذا الشأن فهو لا يعدو كونه ذراً للرماد في العيون العربية، وما أكثر ما تم ذر الرماد في عيونها، وكما أكد وزير الخارجية السعودي في تصريحاته عقب انتهاء الدورة الـ136 للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية والمنعقدة في الرياض قبل يومين أن سورية بلا بشار عاجلاً أم آجلاً، على رغم أن ما سُكب من الدماء وأهلك من الأرواح ومر من الزمن الأسود الكارثي كافٍ وكفيل بأن تتقلص آجلاً إلى حد العاجل جداً، وغير القابل لسطر من المفاهمة أو الارتخاء في الحلول واستعراض الخيارات السائرة ببطء.

الوطن العربي مثخن بالجراح حد الخيبة، وتجاربنا مع معالجة هذه الجراح تجارب مشوبة بالقلق والتكاسل والعرج والحضور الموقت بمفردات الشجب والاستنكار والرفض الشفوي، وهي المفردات التي تجعل كل من يتابعنا، ويقيس مؤشر غضبنا، ويقترب من حرارة دمائنا يؤمن أننا شعوب مكسورة مستسلمة منشغلة بتصفية بعضها وإشعال الحرائق على حكايات مدفونة ومسلسلات خلافية وبكاء متواصل متصل على الألبان المسكوبة بأيدينا لا بأيدي غيرنا، وهل ينفع بكاء في هذه المواقف؟

عصابات الجرم والقتل والسفك يجب ألا تذهب إلا إلى مزبلة التاريخ، ليس من أجلنا فقط، بل من أجل أن تثق فينا الأجيال القادمة، وتعرف أننا قادرون على فعل شيء وشجعان في وضع الأجساد المناسبة في المكان المناسب، نيابة عن أن نترك لها المساحة فتعبث بنا وتحرك وتدحرج الرؤوس وتمرر الخيانات وتبيع أوطانها. سورية هُدِمَ ماضيها وحاضرها، وصار مستقبلها مجهولاً مخيفاً، وماذا يمكن للغة أن تقول إزاء مليون سوري ما بين قتيل وجريح وتشريد لنصف سكان البلد.

يكفي ما تقطع من أوصال الدول العربية، وما رافق التقطيع من التشتيت الفظيع للأفراد والعقول، لن تنتهي مدارات الرعب التي تمزقنا من الوريد إلى الوريد حتى تكون رؤوس الأفاعي مفصولة عن أجسادها، أو منزوعة السمية بالطريقة التي نعلنها ونختارها. الحلول السياسية المطروحة لا تستحق أن تأخذ وقتاً أكثر مما مضى، فالخسائر على الجهة المقابلة سيعجز أي نظام قادم جديد ومختلف عن تحويلها إلى أرباح، إلا بما يشبه المستحيل إن لم يكن المستحيل بعينه.

أمر قاس وفظيع أن يعاني شعب كامل، ولا يجد من يعينه من شركائه في الدين والهوية والانتماء على رغم أن الخصم قاتل سفاح تمددت جرائمه هنا وهناك، تحت لوازم المصالح المشتركة والموقتة الماضية للتخريب والتفكيك والتدمير على أكثر من صعيد، وللعرب كونوا على موقف واحد رجولي باعث للاطمئنان الوقتي، يصرخ بأن «سورية بلا بشار» عاجلاً غير آجل، حتى نقفز ولو لمرة واحدة في التاريخ من غبن «أن العرب كشعرائهم يقولون ما لا يفعلون»، وأؤكد أنا لن نقفز إلى خانة أكثر تفاؤلاً إلا متى اتفقنا على بضع كلمات بمثابة الشرف، وأولويات أعداء، وسمينا الأشياء بمسمياتها.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.