.
.
.
.

العنصرية في العقل المسلم

عبدالعزيز السماري

نشر في: آخر تحديث:

من الصعب وضع تصوُّر عام عن العنصرية في العقل المسلم، لكنها تأخذ أنماطاً مختلفة قد تؤدي في نهاية الأمر إلى موقف غير إِنساني وشاذ، ولعل أشهرها ارتباط الموقف العنصري باللون الأسود، والذي انعكس على الموقف من الإِنسان وهيئته، ولأسباب مجهولة تم ربط اللون الأسود بزمن العبودية، على الرغم من أن العبيد كانوا في تاريخ الإسلام من مختلف الألوان، وكان تتحكم فيه جغرافيا الحروب والسبي والرق.

يفتخر العرب في ماضيهم السحيق، بأنهم أمة لم تصل في تاريخها إلى مرحلة الفصل العنصري بين البشر حسب اللون، كما حدث في الغرب، وأنهم كانوا أمة من مختلف الألوان، وكان «الأسود» أحد أسمائهم، فقيل ابن الأسود، وأبو الأسود وغيرها، كما كان فارسهم الأشهر في التاريخ خليطاً عرقياً بين العرب والأفارقة، وأجمل خيولهم الأدهم، وهو السواد الخالص، والفرس الأدهم الخالص، وفي الأثر «خير الخيل الأدهم».

لكن سوء الفهم وتلك الإشارات في بعض الأثر، لم تخدم الموقف اللاعنصري عند المسلمين ضد اللون الأسود، لذلك لم يسلم بعضها من التفسيرات غير الصحيحة في السياق العنصري، مثل تفسير البعض لحديث «اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة»، والذي تم استخدامه من قبل غير القرشيين للرد على حديث «الأئمة من قريش»، والذي قد يخالف من حيث المبدأ ما ثبت عن لجوء الصحابة رضوان الله عليهم إلى ملك الحبشة بسبب ما أصابهم من بلاء ومحنة في مكة المكرمة.

كذلك يتحول اللون الأسود في بعض الأثر إلى رمز من رموز الشر، حين يرتبط اللون الأسود بالقط أو الكلب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فإن الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيراً، وكذلك بصورة القط الأسود، لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة» انظر مجموع الفتاوى ج/19 ص/52، وانعكس ذلك على الموقف من اللون الأسود، وتعاني القطط والكلاب السود من اضطهاد في الشوارع بسبب لونها الأسود وربطه بالشيطان والشر كما جاء في الفتوى الدينية.

وجاء في الأثر ما نصه (إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: المرأة والحمار والكلب الأسود) قال قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر ؟ فقال يا ابن أخي، إني سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - كما سألتني فقال (الكلب الأسود شيطان)، واعترضت أم المؤمنين السيدة عائشة على صحة الحديث، وذكرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - كان يصلي وهي مضجعة بين يديه.

ولم يكن للأسود رمز سلبي عند بقية الحيوانات، ماعدا رؤية الخروف الأسود في المنام، وفي تفسير الأحلام وردت إشارات في غاية السلبية عند ابن سيرين عن رؤية اللون الأسود في الأحلام، وان من يرى نفسه في المنام يرتدي اللون الأسود، فإنه سيشهد خصاماً بين أناس مقربين أو سيسمع خبراً سيئاً، والذي يرى غيره مرتدياً اللون الأسود، فإنَّ الخبر السيئ سيرتد عليه، والأشياء السوداء من حولنا دليل على الحيرة وعدم الاستقرار.

وأن (من رأى) في منامه أنه تزوج امرأة سوداء قصيرة كان سوادها كثرة مالها وقصرها قصر عمرها. (ومن رأى) أن أحداً أهدى إليه عبداً نوبياً أسود إليه جوالق فحم والسواد إذا كان خالصاً مصقولاً بلا بياض فهو عز ورفعة من سلطان، ويقول إن الأسود لا تحمد رؤياه لما في لفظه من ذكر السوء، والسواد في البدن سودد، وربما أن الرائي يقع في إثم كبير أو يدعي عليه أو يعق أحد أبويه، وربما يبتلى بتشقيق اليدين والرجلين.

خلاصة الأمر أن الموقف من اللون الأسود كان مختلطاً في ثقافتنا الاجتماعية، لكن بعض الإشارات السلبية في الأثر الديني ساهمت في تعميق الموقف السلبي والعنصري من أصحاب البشرة السوداء، على الرغم من مخالفتها صريح النصوص الشرعية، وللواقع الذي كانت عليه سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في مرحلة النبوة.

قد تكون مكافحة العنصرية حسب اللون ممكنة جداً، لكنها تصبح مستعصية، إذا كان لها بعض الرمزية في الفهم الديني، وهو ما يدعو لتنقية الإرث الديني من الفهم الخاطئ في تفسير النصوص التي تحرض عليها، وفي نفس الوقت تخالف المقاصد الشرعية السامية، كما نص عليها الواقع والتطبيق العملي في عهد النبوة، والله المستعان.

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.