دعوة إلى الرقص !
عن النقد الفني أتحدث ، ذلك أن النقد السياسي و الإجتماعي يمكن لهما تجاوز الأمر إلى ما هو إصلاحي و منفعي بحت ، أما الناقد الفني فهو ليس كذلك ، ليس إصلاحياً إلا من حيث أمنيته التي لا تضمنها أدواته و لا تتضمنها وسائله و لا تتضامن معها غاياته بالضرورة !
النقد الفني عمل فني أيضاً ! ،
على الناقد أن يكون راقصاً ماهراً ! ،
أقرب للإنصاف أن أكتب : هذا الصنف من النقاد الراقصين هم من تستهويني كتاباتهم ،
ليس النقد تحية إجلال ! ،
فهو ليس تشجيعاً و لا مؤازرة و لا مكافأةً ، لكنه كذلك ليس ملفّ تقارير أمينة ، و لا دفتر حسابات صحيحة لبقّالٍ ! ، ..
النقد الفني : رقصة ! ،
و على الناقد الفني أن يُحسن أولاً و قبل كل شيء اختيار من يُراقِص ! ،
من هنا لا مجالات كبيرة لديّ كقارئ لاحترام ناقد كل مهمته كشف عيوب العمل الفني الذي يتناوله ، أتساءل دائماً أمام هذا الهذر : ما دام العمل المُتَنَاوَل بهذه الهشاشة ، لماذاً تمّت دعوته لحفلة الرقص أصلاً ؟! ، و ما دام في جسده أو روحه أو كليهما لا يُناسِب الناقد فلماذا قرر مُصافحته و مُصاحبته إلى السهرة ؟! ، ما الذي يريد مثل هؤلاء النقاد إثباته و تأكيد حضوره ؟! ، - : يريدون استعراض مهاراتهم عن طريق اختيارات يتعمدونها غير مُلائمة لوقع خطوهم و تواقيع خطوطهم ، و من أُذُنَي أرنب اللاملاءمة هذه يسحبون العمل الذي يتناولونه إلى المذبح ! ،
القِدْر شيء و التقدير شيء آخر ! ، ..
كل عملية تُنتج الموت و الفناء دون بارقة أمل في حياة ليست من النقد الفني في شيء ، و كل رغبة في ذلك هي في أفضل حالاتها رغبة تربية ! ، و أعظم نتائجها النجاح في توجيه لكمةٍ لمنافس تم اختياره بناء على ضعف مستواه ! ، ..
كقارئ : نادراً ، و نادراً جداً ، ما أسلمتُ نفسي لنقد فني أو أدبي في صحيفة يومية أو أسبوعية ، لثلاثة أسباب : 1 - طبيعة الإصدار التي تتطلب تناول ما هو متداوَل بغض النظر عن مستواه ، 2 - مصالح المطبوعة كمؤسسة تجارية مما لا يُمكن معه دون بلاهة تصوّر نزاهة يتطلبها النقد ! ، 3 - غَلَبَة المهارة الوظيفية على كل مهارة فنية أو أدبية بالنسبة للصحفي " هذا إن وُجدت مهارة من أي نوع أصلاً " ! ،
النقد الصحفي شيء و النقد الفني شيء آخر تماماً ! ،
على الناقد الفني أن يُحسن اختيار شريكه أولاً ، بعد ذلك يُمكنه إشعال الموسيقى ،
و بالنسبة لي كقارئ و كمتلقٍّ و كأحد قاطعي تذاكر الحفل فإن حُكمي سيكون على الراقِصَيْنِ معاً ، و على براعة الرقص ، لا يعنيني أن أحدهما كان جيداً بينما كان الآخر في منتهى السوء ، ذلك لأن الرقصة الخائبة خائبة و يجب استبعاد فريقها من خشبة العَرْض ، أو على الأقل من الذاكرة ، فنحن حينما نُراقص أحبَّتنا نحتاج إلى هذه الذاكرة ، و بالطبع : لا يكفي فتح الخزائن ما لم نكن قد وضعنا فيها مُسبقاً أشياء جميلة و مُحَبَّبة و ذات قيمة !