شكل الشكل !
الشكل هو صفة العمل الفني الأولى ، دون شكل ليس هناك ما يمكن تسميته فناً ، و صحيح أن كلمة " الشكل " ليست كافية لاعتبار عمل ما عملاً فنياً ، غير أن غيابها يعني غياب أي إمكانية لاعتباره كذلك ! ،
الخطوة التالية للشكل هي أن يكون لهُ شكلاً ! ،
و لإذابة علامة التعجب السابقة عليّ أن أحدد بعبارات متماسكة قدر الإمكان المقصود من " شكل شكل " ،
أكتب : شكل الشكل هو ما يضمن لأي شكل وجود صفتين فيه : الثبات ، و الدلالة ،
الثبات يعني القدرة على حبس الزمن و تأطيره في مكان محدد و مفردات غير قابلة للتغيير نتيجة مصادفة أو عوامل وقت و تعرية و ما إلى ذلك ،
فما هي الدلالة و ما وظيفتها ؟ ، الدلالة هي منح هذا الثابت زمناً و إطاراً و علاقة مفردات لونية كانت أو موسيقية ، خطوطاً كانت أو كلمات ، كُتَلَاً أو حركات أجسادٍ على مسرح أو في شاشة سينما : حياةً و أُفقاً و معنى ،
كل هذه الثوابت في شكلها تحركها فقط الدلالة فتمنحها حياةً و أُفقاً و معانيَ ، الأمر الذي يُلزِمُ دائماً بوجود المتلقي النّابه ، فعلى قدر نباهته يمكن للدلالة أن تقوى أو تضعف ! ، لكن و لأن المتلقي ليس ثابت الشكل و لا محدد زمنياً فهو خارج التقييم الذي لن يتم بدونه و هذه مفارقة يمكن الحديث عنها في وقت آخر ! ،
العِطْر على سبيل المثال ، كان يمكن له أن يكون فناً ، هو وافر الدلالات أبداً ، حتى أنه يصعب على النفس عدم اعتباره عملاً فنياً ، لكنه ليس عملاً فنياً في نهاية المطاف ، ذلك لأنه لا شكل لشكله ! ، ما أن يتم التعامل معه حتى يتحرك الشكل و يذهب إلى فناء حتمي لغياب الإطار الحابس : القوارير محابر عِطْرٍ لكنها ليست إطاراً و لا مفردات ! ، لنأخذ المسرح مثالاً مضاداً للعطر ، و ما ينطبق على العمل الفني المسرحي ينطبق على بقية الفنون ، أدوات الثبات في المسرح : خشبة العرض ، و مدّة العرض ، و ثبات العلاقات أجساداً و سرد حكاية على هذه الخشبة و في هذه المدّة ، أما جودة الرواية المسرحية و إتقان الممثلين لأدوارهم و براعة الإخراج و فاعلية الديكور و بقية المؤثرات فمن أدوات الدلالة التي من مَهَامها الجليلة أيضاً التأكيد على أن الزمن المحبوس في إطار ما ليس قِطعة أو جزءاً من الزمن و إنما الزمن كله ، غير أن هذا لا يحدث في غير الأعمال الفنية العظيمة ، و هي ليست المقصودة تماماً هنا في هذه الكتابة ، فقد لا يكون العمل الفني جميلاً و لا حتى خَيِّراً ، لكنه يظل عملاً فنياً ! ،
لم تستخدم هذه الكتابة كلمتين لازمتين هما : البراعة و القَصْدِيَّة ذلك على اعتبار أن كل كلمة منهما داخله في السياق ضمناً ..