.
.
.
.

ستبقى بلادي منار الأمم

هالة القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

من يتابع تطور طريقة الاستحواذ على الثروات الطبيعية في العالم بعد انتهاء عصر الاستعمار، سيفهم جيدا أسباب ما يحدث الآن على خريطة المنطقة العربية، وكيف أن الدول الكبرى في الغرب ما زالت تتفنن في نهب دول عربية وإفريقية، وربما العالم بأسره، بطرق مبررة مسبقا. ومن المفترض أن ندرك الآن الغرض من تلك الحملات المنظمة والمتتابعة لتشويه الإسلام، وتشويه صورة ومكانة المملكة التي تحتضن أرضها الحرمين الشريفين، بشحن الرأي العام لأي سبب ضدها.

منذ الـ 11 من سبتمبر، والعالم يتهم المملكة بتصدير الإرهاب من أجل خطة نفذها "ثلة من الأشرار"، لم يكن مهما آنذاك التحقق من صحة هوياتهم، أو حتى إن كانوا من الأساس أحياء أو أموات وقت وقوع الكارثة، على قدر ما كان مهما أن تلصق تلك التهمة بأي وسيلة بالمملكة، ولأن باطن أرضها يختزن أطنانا هائلة من الثروات الطبيعية، أخرجت الطامعين والحاقدين من جحورهم وكشفت هوياتهم دون عناء.

مع أن حكاية الطائرة التي ضربت مبني البنتاجون بطريقة سحرية واختفت فجأة، تؤكد أنها كانت حطاما لنظرية اندرجت بسهولة تحت مؤامرة انطلت على العالم لفترة زمنية بسيطة، ولم تنجح تماما كما خطط لها, بل جاءت نتائجها عكسية، حين صعق العالم في السنة الأولى بعد الحادثة بدخول أكثر من 34 ألف أمريكي الإسلام. ليصبح عدد من أسلم خلال السنوات العشر التي تلتها أكثر من 20 ألف كل سنة، ومع ذلك تجاهل الأشرار، أن مكانة المملكة من الأساس مبنية على شرف احتضانها قبلة المسلمين، وهذا ما أبقي بلادي منار الهدى.

مع كل موسم من مواسم الحج يتجلى الدور الجبار والإمكانات الضخمة التي تسخرها حكومة المملكة لراحة ضيوف الرحمن، حين حباها الله بخدمة الحجيج والقيام عليها، فهي لا تتوانى عن بذل أي شيء في سبيل تسهيل أداء المناسك لكل حاج ليؤدي ركنا مهما من أركان الإسلام.

وإن نجح الطامعون يوما في إلصاق تهمة الإرهاب بالمملكة، فيكفيها اليوم شهادة ملايين الحجاج الذين زاروها ولهجت ألسنتهم بالدعاء لها ولشعبها منذ بدء الخليقة.

ويكفي الجهود التي تبذلها قوات الطوارئ المشاركة في الحج، حيث ملأت الصحف وشاشات التلفزيون صدورنا بالبهجة كمواطنين، في تناولهم تفاصيل إنسانية تتجاوز دورهم الأمني في خدمة ضيوف الرحمن، والتي يتمنى كل مواطن منا أن يقدمها للحجاج بنفسه. الشهادة لله لم أقابل، على المحمل الشخصي، أي فرد سبق له الحج سواء كان مقيما أو مواطنا دون أن يثني بشكل حميم على الخدمات التي لمسها وتقدمها الدولة، إضافة للخدمات الأمنية والإنسانية التي يقدمها جنود الطوارئ على مدار الساعة. لا يمكن أن يتم كل هذا إلا بفضل من الله ثم بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين، التي اجتمعت واستنفرت لها أغلب قطاعات الدولة بروح تتسابق على شرف خدمة الحجاج.

ضروري أن أذكر أن الدولة لم تنس حتى التفاصيل الصغيرة، بل حرصت على توفير وتجهيز قافلة طبية تنقل أكثر من 30 مصابا في حادثة الرافعة إلى مستشفى عرفات العام تمهيدا للوقوف بعرفة ومن ثم إلى مستشفى منى لاستكمال علاجهم ومناسكهم بمصاحبة أطباء وممرضين. هذا العمل ليس بجديد، بل تعده الدولة واجبا إنسانيا، وتقوم به مع كل مريض يتعرض لوعكة أو أزمة صحية أثناء الحج.

أن تدير أكثر من ثلاثة ملايين نسمة في أكثر من بقعة، وأثناء أوقات محددة، لأمر ليس بالهين أبدا، بل تقوم على تنظيمه خلايا نحل تعمل على مدار الساعة، لذا تستمر الدولة في رفع كفاءة خططها الأمنية باستمرار لإدارة وحماية تلك الأعداد بشكل منظم سنويا.

كمواطنة تابعت من الداخل شخصيا المشكلات، التي نتجت عن قلة الوعي وعدم التقيد بالأنظمة لدي بعض الوفود التي تصل إلى الأراضي المقدسة، وأتمنى من باب رفع الجودة والتطوير المستمر الذي تقوم به المملكة في كل موسم، إن تكثف من رسائلها التوعوية دون حرج لرؤساء تلك الوفود أثناء عملية منح التأشيرات والتراخيص، وحتى قبل وصول بعثات الحج، لترسيخ عملية التقيد بالأنظمة، لضمان سلامة وصحة ملايين الحجاج، والتي من أهمها عدم الافتراش، وعدم إلقاء النفايات في الأراضي المقدسة، بل ضروري أن يحتفظ كل حاج بكيس يجمع فيه مخلفاته أثناء أداء الشعيرة دون أن يجرح حجته. تخوض المملكة عملية سباق مستمر مع التطوير، الذي لم يتوقف بل توارثه الملوك منذ عهد الملك المؤسس ـــ رحمه الله ــ ولن يفهم أو يعي حجم تلك الجهود الجبارة، إلا الحجاج بعد أن يلمسوها بأنفسهم. نسأل الله أن يسهل عليهم موسم الحج هذا العام وكل عام ـــ بإذن الله.

خدمة الحجاج شرف، وسلامتهم ورضاهم هدف تعمل من أجله الدولة، ومهما حاول الحاقدون حياكة مؤامرة تلو الأخرى للنيل من هذا البلد، سنظل متكاتفين، وسنكمل مسيرة البناء مهما كانت التحديات.. وستبقى بلادي منار الأمم.

نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.