وحدة وطن وأمة..
حين يجوب الرائي بعينيه في المشاعر المقدسة يجد أمناً وأماناً وراحة ووحدة، حيث تحولت رحلة الحج المحفوفة بالمخاطر والمشقة إلى رحلة محفوفة بالأمن واليسر، إنه استحقاق حتمي سعى لإنجازه وتحقيقه - ولايزالوان - كل ملوك المملكة منذ تأسيسها على يد المغفور له -بإذن الله- الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الذين وضعوا نصب أعينهم مهمة أمن الحج وخدمة الحرمين وضيوفهما، واعتبروها مهمة لا تقبل إلا الحد الأعلى من الكمال والإتقان.
يخبرنا مشهد الحج كثيراً عن حال المملكة التي استحالت دولة ترفل بالأمن والأمان بعد أن وحّد شملها الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، فأرسى قواعد هذا الوطن وجعل رخاء واستقرار وأمن شعبه أولوية وهدفاً سعى لأجله، وهو ما كان، وما انعكس فيما بعد بشكل مباشر على رحلة الحج بكل تفاصيلها وأبعادها.. لقد كانت الوحدة الإسلامية هماً للملك المؤسس، فبعد أن فرغ من توحيد أجزاء هذا الوطن، حثّ قادة العالم الإسلامي على ضرورة اتحادهم وتعاضدهم من أجل قوّتهم وعلوّ شأنهم.
يبث فينا مشعر عرفات اليوم حالة من الوحدوية التي نفتقدها نحن معشر المسلمين الذين عبثت في نفوسنا السياسة وشرذمتنا أهواؤها الحزبية والفئوية فحادت بنا عن أمر ربنا الذي أمرنا بالتمسك والاعتصام بحبله ونبذ الفرقة والاختلاف، وهذا في حقيقة الأمر هو حالنا والسائد في أوضاعنا، ويكفي أن نجوب بأعيننا متأملين أحوال المسلمين لنكتشف أنهم ابتعدوا عن الأمر الرباني وانكفأوا على أنفسهم متعصبين كارهين للآخر منتقصين له ومقللين منه.
في عرفات كل ذلك يكاد ينصهر ويزول، وليت أيامنا كلها عرفات، هذا المشهد الذي يبعث في نفوس المسلمين الأمل والفخر بأنهم لا يزالون أمة واحدة بعد أن غدوا بفعل السياسة وألاعيبها أمماً فرّقها أعداؤها مستخدمين مصدر قوتها لإضعافها، فأحالوا كل واحد للآخر ينتقص من عقيدته ومن دينه.. والأدهى من ذلك والأمرّ أن يقذف البعض سمومه ليلوّث هذا المشهد العظيم بشعارات الفرقة والتحزّب دون مراعاة لحرمة المكان أو الزمان.
لم تفرق المملكة يوماً بين حاج وآخر، أو بين جنسية وأخرى، فقدمت خدماتها للجميع على قدم المساواة، ولم تندفع يوماً وراء أحاديث السياسة وألاعيبها، وإن حاول البعض استفزازها، إلا أنها حافظت على قدسية تلك الشعيرة المعظّمة، ولم تنزلق يوماً في أتون تلك المهاترات.
عرفات حالة وروح يجب أن تسود بين المسلمين، لا أن تنتهي بنهاية الحج، بل يجب أن تحفزّنا من أجل ديمومة هذا اليوم في نفوسنا واستحضاره كلما لاحت في الأفق بوادر الفرقة والتحزّب والتمذهب.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"