السعودية والحج
لم يكن هذا هو موسم الحج الأول الذي تشرف عليه المملكة العربية السعودية البلد الذي يضم بين جنباته أغلى المقدسات الإسلامية -الحرم الملكي والحرم المدني- حيث قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، السعودية تدير مواسم الحج منذ أكثر من قرن من الزمان ولديها من الخبرات المتراكمة ماجعلها تتعامل مع هذه المناسبة بكل كفاءة فلم يتعرض الحج خلال إدارة السعودية له لأي نقص في الخدمات ولم تنتشر أوبئة وأمراض بين الحجاج، ولم يحدث خلال عشرات السنين أن تعرض الحج لأزمة بسبب أمراض معدية أو أوبئة أو نقص في الخدمات الأساسية.
الحج مناسبة دينية تحدث في وقت زمني محدد وفي مساحة جغرافية محدودة وأعمال الحج وعباداته مقيدة بضوابط شرعية لا أحد يستطيع تجاوزها، لذلك فإن هذا التحدي بين الزمان والمكان والعبادات هو ما نجحت السعودية ولله الحمد خلال عشرات السنين في تجاوزه، ففي كل موسم حج يتدفق إلى تلك المشاعر ملايين من المسملين لأداء فريضة الحج وقد "كشفت إحصائية رسمية أعدتها مصلحة الإحصاءات أن إجمالي عدد حجاج بيت الله الحرام (حجاج الداخل والخارج) خلال الأعوام العشرة الأخيرة (1426 -1435ه) بلغ 24 مليوناً و757 ألفاً و314 حاجاً".
إذا أخذنا بهذا المقياس فمعني ذلك أن المشاعر المقدسة تستقبل خمسين مليون حاج كل عشرين عاماً، هؤلاء الحجاج أمامهم يوم في عرفة ويوم في مزدلفة وأربعة أيام في منى بما فيها يوم التروية، كل هذا يحدث في مساحة جغرافية لا تتعدى الكيلو مترات، فعلى سبيل المثال يبلغ طول مشعر عرفة اثنا عشر كيلو متراً بعرض خمسة كيلو مترات، هذه المساحة الضيقة يقف عليها ما يقارب ثلاثة ملايين حاج سنوياً، بالإضافة إلى أكثر من ست مئة ألف أو يزيدون من السعوديين يقدمون خدماتهم الأمنية والصحية والبيئية وعشرات الخدمات الأخرى التي تتكفل السعودية بتقديمها دون أن تحصل على عائد مقابل هذه الخدمات.
السعودية التي تقتطع جزءاً كبيراً من ميزانيتها للتطوير المستمر في المشاعر تعتبر ذلك من واجباتها الأساسية، هذا بالإضافة إلى أن الملك في الممكلة العربية السعودية يطلق عليه اسم خادم الحرمين الشريفين، تعبيراً عن أن أهم وأبرز اهتمام يقدمه الملك ألا وهو خدمة الحرمين الشريفين وتسخير كافة الإمكانات من أجل تسهيل مهام الزوار والحجاج إلى بيت الله الحرام وإلى مسجد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.
الأماكن المقدسة في مكة والمدينة تستقبل بشكل شهري أكثر من مليون معتمر بمعنى أن الأماكن المقدسة تستقبل سنوياً مايقارب خمسة عشر مليوناً من المسملين، بما في ذلك موسم الحج وهذا يحدث منذ عشرات السنين.
خدمات على مدار الساعة واهتمام كبير وراحة تامة لم يشتكِ منها أحد، هذه الخدمات المتتالية من أجل جعل المشاعر المقدسة مستعدة لضيوفها من حيث التجهيزات والخدمات جعلت السعودية تنفق بسخاء ودون توقف على توسعات الحرمين وتجهيزات المشاعر المقدسة.
لم تلجأ المملكة العربية السعودية إلى تحويل موسمي العمرة والحج إلى مواسم سياحية تدر الأموال عليها، بل رفضت هذه الفكرة جملة وتفصيلاً، وكانت ولا زالت السياسة السعودية تعتبر خدمة الحرمين الشريفين مهمة أساسية لخدمة الإسلام والمسملين في كل أصقاع الأرض.
في هذا العام وقع حادث التدافع الذي أدى إلى وفاة عدد من الحجاج من دول إسلامية متعددة، وهو حادث غير مستبعد في ظل وجود ملايين البشر في بقعة صغيرة وفي إطار وقت زمني محدد لتنفيذ شعيرة رمي الجمرات، وهؤلاء البشر من الحجاج يأتون من مذاهب وتيارات دينية وطوائف إسلامية متعددة وكل منهم يريد أن ينفذ مشاعر الحج بحسب رؤيته وما يعرفه عن الإسلام، كل هذه الاختلافات تحدث في مكان واحد وفي زمن محدد وهذا يطرح السؤال المهم حول مواجهة هذه التحديات وإدارتها..؟ والتي نجحت السعودية في إنجازها عبر عقود مضت.
لو أخذنا مواسم الحج خلال عشر سنوات مضت وأخرجنا نسبة الذين توفوا لوجدناها لا تكاد تذكر، كما يجب الإشارة إلى أن حوادث الحج لم تكن بسبب كوارث مثل سقوط أبنية أو أمطار أو انهيار جسور أو طرقات، هذه لم تحدث أبداً، كل حوداث الحج هي نتيجة تدافع يحدث خلال ثوانٍ تتدافع فيه أمواج بشرية تسير في اتجاه واحد، وهذا ليس تبريراً لما يحدث، ومع ذلك فإن خطط الحج يتم تطويرها سنوياً وبشكل كبير من أجل تفادي مسببات هذه الحوادث.
السؤال الثاني يقول ماالذي يدفع بعض المزايدين على تجاهل كل هذه العوامل المهمة والتي ساهمت خلال عشرات السنين في إنجاح مواسم الحج..؟، ولو لم تكن شعيرة الحج مرتبطة بموقع جغرافي محدود ومكان بعينه لاستطاعت السعودية أن تجعل لكل حاج مساراً مخصصاً ولكن لأن الحج مرتبط بزمان ومكان فقد استطاعت السعودية خلال قرن من الزمان وهي في خدمة الحج على مضاعفة الخدمات وتكريسها من أجل تسهيل حركة ملايين البشر في بضع كيلو مترات من الأرض.
الحكمة في السياسة السعودية لن تجعلها تدخل في مزايدات إعلامية، فالعالم كله يدرك ما تقوم به السعودية في سبيل توفير كل الإمكانات للمعتمرين والحجاج، ولكن الأسف كبير على أن تختفي العدالة وإحقاق الحق أمام مشروعات مذهبية أو أهداف سياسية خفية تسعى إلى الإساءة إلى المملكة العربية السعودية وشعبها الكريم.
لن تتوقف خدمات الحج التي تقدمها الممكلة ولن تتوقف القيادة السعودية والشعب السعودي عن الفخر العظيم بخدمة ضيوف الرحمن فهذا الشرف اعتدنا كشعب وكقيادة أن يكون ضمن أولوياتنا في الحياة خدمة للدين وخدمة للمسلمين جميعاً، ولن تهزنا مواقف المزايدة التي تجوب الإعلام بحثاً عن الأخطاء بعيداً عن القيم الأخلاقية التي تعي ماهو الحق وماهو الباطل في مثل هذه القضايا، رحم الله الحجاج الذين قضوا أجلهم وأسكنهم فسيح جناته، ووفق الله المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن دائماً وأبداً.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"