.
.
.
.

«تدويل» الحج!

سعود الريس

نشر في: آخر تحديث:

في صباح الـ26 من كانون الأول (ديسمبر) 2003، ضرب زلزال بقوة 6.6 على مقياس ريختر مدينة بام الإيرانية، وخلف أكثر من 40 ألف قتيل، و50 ألف جريح، بخلاف المشردين. وعلى رغم أن العلاقات مع إيران كانت كعادتها تراوح مكانها، بادرت السعودية بالدعوة لعقد اجتماع طارئ لوزراء المال في دول مجلس التعاون الخليجي، وتم تخصيص مبلغ 400 مليون دولار في برنامج مشترك، للمساعدة في إعادة إعمار المناطق المتضررة من الزلزال، وإرسال فرق من الهلال الأحمر السعودي والمستشفيات الميدانية، تضامناً مع الشعب الإيراني ورحلات الإغاثة الجوية.
نتحدث اليوم بعد 12 عاماً من ذلك الزلزال. مدينة بام الإيرانية لاتزال مدمرة، والـ400 مليون دولار أدخلت خزانة الدولة! وتلك الجهود تم نكرانها تماماً!
لماذا نستذكر تلك الواقعة؟ لنقول إن الدولة المصابة اليوم بالهستيريا لم يأتمنها شعبها حتى على المعونات التي جاءته في نكباته، فكيف يمكن للمسلمين أن يثقوا بها؟!
«حادثة التدافع» التي شهدها حج هذا العام كانت مؤلمة للسعودية أكثر من إيران والعالم الإسلامي كله، لا لشيء؛ إلا لأن المملكة سعت وبذلت وسخرت جهودها كافة لضمان أمن الحجيج، لكن إيران لم يرق لها ذلك. نحن نتفهم حال الحزن الإيرانية على حجاجهم، ونشاركهم الحزن وندعو لهم ولبقية من فقدناهم بالرحمة والمغفرة، لكن ما لا نفهمه هو السعي الإيراني الدؤوب للإساءة إلى السعودية - حكومةً وشعباً - في كل فرصة تتاح لهم، ومحاولتهم خلط الأوراق، ولا أدل من ذلك سوى تصريح رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، فهو يستند في الدلالة على عدم كفاءة السعودية في تنظيم الحج بقوله: «إن عدم كفاءة الحكومة السعودية ثبت من قبل عندما ارتكبت المجازر بحق الشعب اليمني خلال الشهر الحرام»! فيما تسابق المسؤولون الإيرانيون للإساءة إلى المملكة والتقليل من شأن جهودها. وعادوا مجدداً إلى أسطوانة «تدويل الحج». ولم يقف الأمر عند ذلك، بل خرج أحدهم في قناة «المنار» - الذراع الإعلامي لإيران في لبنان - ليتّهم السعودية بأن بناء «برج الساعة» كان خطأ كبيراً! لماذا؟ «لأن الحجاج تركوا الكعبة التي ذهبوا لأجلها، وتفرغوا لمشاهدة برج الساعة، ما أثر في روحانية الحرم»! ألهذه الدرجة تتسطح العقول وتتمدد؟!
أما «التدويل» الذي يتحدثون عنه، فهل المطلوب «فاتيكانَ إسلامياً» على سبيل المثال لترضى إيران أو تركيا؟ إيران والعالم الاسلامي يدركون أن السعودية أنفقت على المشاعر لتسهيل شعيرة الحج ما لا تستطيع إيران ولا الدول الإسلامية مجتمعة إنفاقه. والأهم أن السعودية، على رغم تهيؤ الظروف كافة لديها لتسييس موسم الحج، فإنها نأت بنفسها عن ذلك، وتعاملت معه بوصفه شعيرة لجميع المسلمين من كل المذاهب. فهي ليست علمانية كتركيا - على سبيل المثال - تبحث عن وصاية على المسلمين. كما أنها ليست مثل إيران، فالسعودية لا تسعى إلى ترويج مفهومها الديني والسياسي لتنتقم أو تنال من مذهب أو تروج لنظام، إذاً المطالبة بالتدويل الذي تنادي به طهران ليست خدمة للإسلام بقدر ما هي مناكفة سياسية للسعودية. وهي لا تستفز الرياض فقط بهذه المطالب المستحيلة، بل تستفز العالم الإسلامي بأسره، إذ لا توجد دولة توافق إيران على هذا المطلب. ولا أعتقد أن أياً من الدول الإسلامية ستفكر في ذلك، فالجميع يشاهد ويدرك ما تقدمه المملكة من خدمات وتسخير لا محدود لإمكاناتها كافة لتسهيل الحج على المسلمين. وهو مطلب غير منطقي وغير عاقل، لأنه يعني ببساطة أن تتنازل المملكة عن سيادتها، وأن تتخلى عن واجب ائتمنت عليه منذ فجر التاريخ، حتى من قبل أن يتخلق كيانها السياسي والجغرافي الراهن.
ما حدث في منى آلمنا جميعاً، وكنا نأمل من الدول الأخرى بأن تشد من أزرنا، فالمصاب مصابنا جميعاً، لكننا عوضاً عن ذلك شاهدنا التهويل والتضخيم لحشد خرج عن نطاق السيطرة، فالحج محكوم بمساحات جغرافية لا يمكن المساس بها، كما أنه محكوم بأوقات لا يمكن تجاهلها لضمان سلامته وإتمامه، لذلك هو يختلف عن تجمعات الطقوس المبتدعة وغيرها، وهذا ما تسعى إيران إلى التعتيم عليه ليبدو الأمر كأنه مجرد سوء تنظيم، بينما خبراء الحشود الغربيون يؤكدون أن شخصاً واحداً أو اثنين يمكنهما بقرار فردي غير مسؤول أن يخالفا اتجاه الحشد فتقع كارثة كالتي حدثت أول أيام عيد الأضحى. وتقتضي الأمانة أن يشار إلى أن السعودية لم تسارع إلى اتهام أي حاج بالخروج عن خط التفويج، ولذلك وجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف بتكوين لجنة عليا للتحقيق. ولهذا أيضاً أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بمراجعة خطط موسم الحج لسد أية ثغرة في هذه الخطط التي تضعها وتنفذها خمس جهات حكومية، يستعين بعضها بكبار العلماء والخبراء الغربيين والمسلمين المختصين في علم إدارة الحشود، وبأحدث تكنولوجيا توصلت إليها البشرية.
نقولها ونؤكدها؛ إن السعودية أكرمها الله بالحرمين الشريفين، وظلت منذ نشأتها تحرص على تقديم كل ما يسعها لخدمتهما، والنأي بهما عن أي صراعات سياسية أو مذهبية، وستستمر في ذلك بمشيئة الله، والعالم الإسلامي يدرك ذلك ويقر به. أما المطالبة بالتدويل فهو صراع مع المنطق، وأزمة في العقل تفتعل لتصفية حسابات فحسب.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.