.
.
.
.

الدور المأمول من الجامعات

عبد الله عبد الكريم السعدون

نشر في: آخر تحديث:

أمضيت في القوات الجوية أكثر من خمسة وثلاثين عاماً كان أجملها وأهمها قيادة كلية الملك فيصل الجوية رغم المناصب الأخرى المهمة، لسبب واحد هو الاهتمام بالطلبة ورؤيتهم في مختلف ميادين الكلية الأكاديمية والعسكرية والطيران.

يبدأ الطالب بمرحلة استجداد تشبه السنة التحضيرية في الجامعات إلا أنها فترة قصيرة ومكثفة، من خلالها يتحول الطالب من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية بكل ما تعنيه من شدّة وانضباط، وأهم ما في الأسابيع الستة الأولى تدريب الطالب على الحركات العسكرية ومهارات التواصل والتعاون وروح الفريق ورفع اللياقة البدنية، والجامعات لها دور أكبر وذلك لتعدد التخصصات وأعداد الطلبة وطول المدة وتوفر الخبرات الأكاديمية والعملية، ومن أهم العادات المكتسبة التي يجب التركيز عليها عادة القراءة فهي البوابة إلى عالم المعرفة وسعة الأفق وهذه تحتاج إلى جهود متواصلة وزيارات متكررة إلى مكتبة الجامعة ووضع حوافز وجوائز عينية لمن يستعير الكتب ويقرأها، كما أن إقامة معرض سنوي للكتاب في كل جامعة يعد حافزاً لشراء الكتب وعقد الندوات الثقافية في كل منطقة أو مدينة بها جامعة.

أما العادة الثانية التي يجب أن تحرص عليها الجامعات فهي الرياضة وخصوصاً الألعاب الجماعية لما لها من تأثير إيجابي على الصحة البدنية والنفسية والمشاركة والتعاون وتعلم روح القيادة، كما أن الجامعة يمكن أن تسهم في صحة المجتمع ونشر رياضة المشي من خلال إيجاد ممشى في كل جامعة تحفه الأشجار الكبيرة ليستفيد منه منسوبوها وسكان الأحياء المجاورة.

القراءة والرياضة يجب أن يكون لهما حصص ثابتة وكافية لتكونا خير عون للطالب في حياته الجامعية وما بعدها فيمارسهما بعد التخرج وحتى نهاية العمر.

والمهمة الثالثة للجامعات تعويد الطلبة على الأبحاث والتطوير وتحفيزهم على طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة غير الاعتيادية، الأبحاث تعدّ من أهم المهارات المطلوبة لدى المؤسسات العلمية وما يتطلبه اقتصاد المعرفة.

كما أن التأكد من صحة المعلومة بعد تمحيصها وتمريرها على مبدأ الشك والمساءلة ضروري لكل مسؤول في المستقبل.

المهارة الرابعة التي يجب أن تتبناها الجامعات وتضعها ضمن منهجها وتمارسها على كل المستويات فهي الحوار الذي لن يقوم به سوى مثقف لديه إلمام بأهمية التقارب والتآلف على مستوى الوطن وخارجه، لقد بذلت المملكة جهوداً كبيرة خلال السنوات الماضية ممثلة في مركز الملك عبدالله للحوار الوطني من أجل تعزيز هذا المبدأ المهم، لكنه بقي توصيات دون تنفيذ والسبب أن الحوار لم يكن ضمن مناهج التعليم العام والجامعات يمارس على مستوى الأساتذة وطلبتهم، الحوار يعني النضج وبعد النظر وسعة الأفق ونحن أحوج ما نكون إليه في هذا الوقت بالذات.

كل هذه المهارات يمكن التركيز عليها في السنة التحضيرية لتكون خير عون للطالب في تخصصه العلمي، على أن تكون هذه السنة فرصة مهيِّئة لتغيير سلوك الطالب داخل الجامعة وخارجها، فغير مقبول أن يفرض الطالب سلوكه الخاص الذي تشربه في مجتمع غير منضبط على حياته الجامعية التي يجب أن تكون نقطة تحول المجتمع بأكمله فتعزز ثقافة احترام النظام وحقوق ذوي الإعاقة وعدم العبث بالبيئة والممتلكات العامة، ويمكن تحقيق ذلك بالخطوات الآتية:

أولاً. مدير الجامعة هو من يوجه الاهتمام ويضع الأولويات للأنشطة العلمية والثقافية والاجتماعية والرياضية، وكل مسؤول في الجامعة يحاول أن يعرف ماذا يريد المدير ويسعى لتحقيقه، والجامعة التي تخلو من بعض تلك الأنشطة أو جميعها إنما هو دلالة على أنها لا تمثل أهمية بالنسبة للمدير، ويبرز اهتمام المسؤول بنشاط معين بحضوره للنشاط والمشاركة فيه مع الطلبة وأعضاء هيئة التدريس. كثير من رؤساء الجامعات على مستوى العالم يحضرون إلى مقر أعمالهم على دراجات هوائية ويشاركون الطلبة في كثير من الأنشطة الرياضية.

ثانياً. الأساتذة تم اختيارهم بعناية من بين أفضل الطلبة تحصيلاً وتم ابتعاثهم إلى أفضل الجامعات على مستوى العالم وأكثرهم رأى نماذج مشرفة من أساتذة نذروا أنفسهم للتعليم والأبحاث، لذا فهم القدوة للطلبة في احترام الوقت واستثماره منذ الدقائق الأولى لبدء المحاضرة، يقول أحد الزملاء درست في ألمانيا عشر سنوات لم يتأخر المحاضر دقيقة واحدة، من أهم مهام أستاذ الجامعة أن يكون قدوة حسنة في احترام الوقت واستثماره، وحرصه على جودة المنتج وإتقانه.

ثالثاً. يمكن أن تسهم الجامعات بما لديها من إمكانات في حل الكثير من تحديات الوطن خصوصاً في هذا الوقت بالذات، فالاهتمام بالطالب من حيث تحصيله العلمي والتركيز على الأبحاث والتطوير من أهم وسائل الانتقال إلى اقتصاد المعرفة وتنويع مصادر الدخل، كما أن الجامعات تعد من أهم أسلحة الدولة لمحاربة التطرف والغلو الحاضن الرئيس للإرهاب، كما أنها مطالبة بإجراء الدراسات العلمية الرصينة التي تبحث في أمراض المجتمع وتحدياته وتقترح الحلول العلمية، كما أن الجامعة يمكن أن تسهم في حل البطالة عن طريق تشجيع الطلبة على العمل أثناء الدراسة الجامعية سواء داخل الجامعة أو خارجها، فمن يعمل أثناء دراسته سيكسب الخبرة والمعرفة ويتعود على التوفير والادخار ومحاربة الكسل والخمول.

وأخيراً أطرح سؤالاً لمصلحة الجامعة وهو: هل من الضروري أن يكون مدير الجامعة بالمرتبة الممتازة أم يكتفى بمرتبة أستاذ يتم تغييره كل أربع سنوات لتجديد النشاط وزيادة الخبرات واختيار الأفضل بين أعضاء هيئة التدريس؟

الجامعات هي المنارات العالية التي تفخر بها الدول وتعول عليها لتغيير ثقافة المجتمع من التواكل إلى التوكل ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، وإلى نشر ثقافة التسامح وحب العمل وإتقانه واحترام الوقت والإنسان والبيئة والتقيد بالأنظمة.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.