قتل الأقرباء
بالنسبة إلى المتطرف، قتل من تربطه بهم صلة قرابة أولى وأفضل من قتل غيرهم من الذين لا يعرف ولا تربطه بهم أي صلة اجتماعية أو صلة دم. فوفقاً لكتاب «المؤمن الصادق» (*1) الذي ترجمه من الإنكليزية المرحوم المفكر السعودي العملاق الدكتور غازي القصيبي، واعتبره الوحيد الذي يضيء «عقل الإرهابي من الداخل»، فإن أسرة الإرهابي في نظر الإرهابي، ليست المعارف والأصدقاء، وليست من تربطه بهم صلة نسب أو رحم.
كلا، إنهم أمثاله من الذين صهروا أنفسهم في كيان جديد أعاد لهم الثقة بعد فقدها بإقناعهم بأن ما يشعرون به من ضياع ليس ذنبهم، وإنما بسبب ما اقترفه «عدو» أكبر منهم.
إن الحركات المتطرفة، بصرف النظر عن أيديولوجيتها أو عقيدتها، «لا تجذب» الواثقين من أنفسهم، الذين «يحرصون على تطويرها، بل تستميل أولئك الذين يودون أن يتخلصوا من أنفسهم نهائياً.
تستطيع الحركة (المتطرفة) أن تجذب أتباعاً وتحتفظ بهم، لا لأنها تلبي الحاجة إلى تطوير الذات، ولكن لأنها تلبي الشوق إلى الخلاص من الذات». (الصفحة 43 من كتاب «المؤمن الصادق»).
لا تحتاج جميع المذاهب المتطرفة، سواء كانت دينية أم وطنية فاشية، أو شيوعية ملحدة، إلى إقناع الأتباع بأن الوالد والوالدة والأخ والعم والخال وابن العم وابن الخال أولى بالقتل من غيرهم ممن أقنعوهم بأنهم من الأعداء.
بل إن الإرهابي نفسه يفضل قتل الأقربين إليه لإثبات ولائه المطلق، وإنكار ذاته «القديمة» ليخدم قضية من جنّدوه وأقنعوه بأن قضيتهم قضية «مقدسة»، حتى لو كانت لا تؤمن بأي دين، ولذلك تستحق التضحية بالأقرباء وحتى بالنفس.
إن «مدوس» الشاب الذي اغتاله ابن عمه سعد في يوم العيد 10-12-1436هـ الموافق 24-9-2015، وكان ينخاه «تكفى يا سعد»، «ترى تكفى تهز الرجاجيل»، ينطلق من القيم القبلية والاجتماعية والإنسانية عموماً، من دون علم مدوس بأن سعد ابن عمه «ولد ولادة جديدة»، وخلع كل صلات القرابة عند باب «داعش»، الذي صهر نفسه فيه.
يستشهد الدكتور القصيبي رحمه الله من خلال إضافة هامشية لترجمته لكتاب إريك هوفر (*2) بعنوان «المؤمن الصادق» في الصفحة 87 بتجربة شاب سعودي كاد يكون إرهابياً:
«عبد الله ثابت كاتب سعودي استقطبته جماعة دينية متطرفة في صباه ومراهقته، ثم خرج منها وروى تجربته في كتاب مثير. يقول عبدالله: كم كنت أكره عائلتي وبيتي الذي يعج بالموبقات والمعاصي، كما كان مشرفو المخيم يصفون أمثاله من البيوت، لقد كان مملوءاً بالفساد من تلفاز وصور وأصوات الأغاني وغيرها، ثم يقول إنه خاصم أهله جميعاً وترك البيت والدراسة وكل شيء (لأعيش بإحدى الغرف التي يعيش فيها أحدهم. لقد كان بالنسبة إليهم فرصة مناسبة لضمي لهم لدرجة يستحيل معها تركي لهم)»، عبدالله ثابت الإرهابي 20، دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 2006 . ص 84-85 (المترجم).
وبوجود وسائل التواصل الحديثة، لا حاجة لخلايا «داعش» أن تضع شاباً في غرفة تهيئها له. فمن السهل على داعش أن يصل لأي شاب يرجح إمكان الاستحواذ عليه وهو في منزل والده أو خاله أو عمه. والمنظمات الإرهابية قادرة على أن تقنع صغار السن بالذات، بأن حياتهم المعتادة حياة فاسدة ولا بد من إصلاحها بإقناعهم بالانضمام إلى منظمة يولدون من خلالها من جديد.
«إن الذين لا يجدون صعوبة في خداع أنفسهم لا يجدون صعوبة في خداع الآخرين لهم، ومن ثم فمن السهل إقناعهم وقيادتهم». الصفحة (176).
«قدر المتطرف أن يشعر بالنقص وفقدان الثقة. لا يستطيع المتطرف أن يستمد الثقة من قدراته الذاتية، أو من نفسه التي تنكر لها، ولكنه يجدها في الالتصاق المتشنج بالكيان الذي احتضنه. يجد المتطرف في هذا الالتحام ما يحفزه على الولاء الأعمى الذي يشبه التدين، كما أنه يجد فيه نبع الخير والقوة، وعلى رغم أن المتطرف يهدف بهذا الولاء الأعمى في الدرجة الأولى إلى أن يحافظ على بقائه، إلا أنه قادر على أن يعد نفسه جندياً يحمي القضية المقدسة التي اعتنقها. والمتطرف على استعداد للتضحية بحياته لكي يثبت لنفسه وللآخرين، أن هذا بالفعل هو دوره أن يضحي بحياته، ليثبت أهميته». (الصفحات 178-179)
وخلاصة الموضوع، من أهم أركان سنن المنظمات الإرهابية، سلخ من تستقطبه من هويته الإنسانية، دع عنك هويته الوطنية، وصهره تماماً في مرجل إرهابي مرعب، ليولد من جديد وبهوية جديدة. ماتت صلة قرابة «سعد» بابن عمه «مدوس»، منذ صهر سعد نفسه في «داعش» حتى صار اسمه ما اختاره له «داعش»، وأقرباؤه أفراد «داعش»، وأعداؤه كل من ليس منضوياً تحت «داعش» فكراً أو حقيقة، مهما كانت درجة القرابة من غير أتباع «داعش».
نقلاً عن صحيفة "الحياة"