ثقافة الفضح والفضيحة

أميرة كشغري
أميرة كشغري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الزوجة التي وضعت مشهداً مقززاً على اليوتيوب يظهر فيه زوجها وهو يتحرش بالعاملة المنزلية كانت تقصد، وهي تحت وطأة الغضب والألم والإهانة، أن تنتقم من هذا الزوج الذي تجاوز كل حرمات منزل الزوجية ولم يستح من القيام بتحرشات جنسية فاضحة تجاه العاملة وهو بكامل زيه الرسمي.
وبغض النظر عن صحة أو خطأ ما قامت به تلك الزوجة، فهي وبدون تفكير رأت أن وضع ذلك المشهد أمام الملأ من شأنه أن يفضح الزوج، والفضيحة هي في نظر الزوجة أقصى عقوبة ينالها الزوج المتحرش لأن لعنتها سوف تلاحقه مدى الحياة حسب قانون ثقافة الفضيحة الاجتماعية التي يتلذذ الكثيرون بمتابعتها ويكرسّها نمط التفكير الجمعي.
لو كانت تلك الزوجة تعرف الطريق القانوني الصحيح لعقوبة الزوج على ذلك الفعل المشين وتثق به لما كانت ردّة فعلها الأولى تجاه تلك الحادثة هي الفضح والتشهير. تلك الزوجة هي امرأة تعرف تماماً من خلال ما رأت من قصص مشابهة وما سمعت من روايات أن الأزواج المتحرشين بالعاملات المنزليات يفلتون من العقاب الرادع مهما كانت الأدلّة والملابسات. هي امرأة تعرف أن قانون التحرش الجنسي مازال حبراً على ورق رغم كل الجهود التي بذلتها برامج الأمان الأسري ولجان الحماية الاجتماعية بل وحتى اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ورغم كل المحاولات لتفعيله من قبل المهتمين نساءً ورجالاً. هي امرأة أخذت على عاتقها استرداد حقها وكرامتها المهانة دون تفكير في العواقب. وهي إذ قامت بفضح زوجها المتحرش فإنما كانت تمارس الدور القانوني الغائب الذي استعاضت عنه بقانون من صنع الثقافة السائدة في المجتمع غير آبهة بما قد يتسبب به ذلك القانون من تبعات نفسية واجتماعية على أسرتها بل وحتى عليها بعد أن تهدأ فورة الغضب ومحفزات الانتقام.
ليس دفاعاً عن الزوجة أقول بأننا نحن من فرّطنا بالقانون ونحن من جعلنا من ثقافة الفضح والفضيحة ملاذاً للزوجات المستضعفات اللواتي يعانين من سلطتين تكالبتا على تشكيل شخصياتهن وردود أفعالهن: السلطة الأولى هي سلطة الأوضاع الاجتماعية غير المساوية بين الجنسين والتي تعمل لصالح الرجل. فسقطات الأزواج المشينة من تحرش وعنف ضد المرأة لا يحمل تبعاتها الرجال بالقدر الذي تحاكم فيه المرأة على أتفه سقطة بالضرب أو الطلاق بل وحتى الموت على يد الذكور، وقد يصل الأمر لأن يصبح الزوج الجاني هو الضحية. أما السلطة الثانية فهي سلطة العرف التي أعطت ثقافة الفضيحة قيمة اجتماعية لا يسهل على المكلوم تجاوز شهوتها.
لا غرابة إذن، بما أن الأوضاع الاجتماعية غير مساوية بين الجنسين لصالح السلطة الذكورية، وفي ظل غياب التطبيق الصارم لعقوبة المتحرشين من الرجال، في أن لا نلوم الزوجة على رد فعلها الخاطىء. فالمرأة هي مجرد إنسان يصاغ وفقاً لمعايير المجتمع في النظر إلى جريمة التحرش عندما يقوم بها الرجال.
كم كنت أرجو أن يمتد أفق المساواة في الجريمة والعقاب إلى المشهد الحقوقي ومن يمثلونه من محامين مدافعين عن الزوج المتحرش.

نقلاً عن صحيفة "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.