العرب وإيران وجدلية التعايش

محمد السلمي
محمد السلمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

على الرغم من اللغة المتشنجة المتبادلة بين الإعلامين العربي والإيراني خلال فترة ليست بالقصيرة والمدفوعة بتطورات سياسية وأمنية تشهدها منطقة الشرق الأوسط إلا أن ذلك لا يمنع من طرح الخيار المقابل لذلك أيضا. إن لغة التصعيد ومهاجمة الدول العربية والخليجية تحديدا كانت ولا تزال النغمة الطاغية على وجه الإعلام المقروء والمشاهد والمسموع القادم من الضفة الشرقية للخليج العربي.
لم تتوقف وسائل الإعلام الإيرانية عن مهاجمة قيادات دول الخليج العربي ومحاولة إثارة الخلافات والعزف على الوتر الطائفي، وبصور مختلفة، كما يحاول الساسة في إيران استغلال أي حدث، مهما كان حجمه، لتسخير هذه الآلة الإعلامية للتجييش الإعلامي وإطلاق التصريحات العدائية ضد دول الجوار، كجزء من سياسة النظام الحاكم في طهران التي تبدو قائمة على العداء للخارج لمحاولة تأمين الداخل في ظل الاستحقاقات المحلية الكثيرة التي يحاول نظام ولاية الفقيه تأجيلها أو التملص منها.
في المقابل، نجد أن وسائل الإعلام العربية تقف موقف الدفاع عن النفس ومحاولة التعامل مع تلك الحملة الإعلامية الشرسة بسياسة المعاملة بالمثل، وإن كانت في الواقع أقل حدة من نظيرتها الإيرانية. بل إن المتابع بدقة لهذا التراشق الإعلامي يجد أنه ظل عربيا في مستوى معين ولم يصل إلى القيادات السياسية، بينما نجد التصريحات النارية والعدائية تصدر من علي خامنئي، أعلى الهرم السياسي والديني في إيران، علاوة على رئيس الجمهورية والوزراء والقادة العسكريين، وانتهاء بوسائل الإعلام وكتاب الرأي هناك.
ربما طرح خيار سياسة التعايش والابتعاد عن النغمة العدائية في ظل المناخ السائد في المنطقة فيه شيء من السباحة ضد التيار حاليا، حيث بلغ التوتر مداه وبرز التشنج لكل متابع، ولكن يجب أن نعلم يقينا أنه لا خيار لإيران والدول العربية، حتى وإن لم يكن لدى الطرفين الرغبة الحقيقية في ذلك في الوقت الراهن، سوى التعايش وتجنب مزيد من التوتر الذي قد يقود نحو تصعيد يعد خسارة للجانبين، فالأفضل أن يكون هذا التعايش جنبا إلى جنب مع التعاون وخلق الفرص المتبادلة من أجل ارتقاء المصالح المشتركة بين الطرفين، لا الصراع الذي نعيشه واقعا ملموسا. فالواقع يقول إن الجوار الجغرافي يحتم على الجانبين العربي والإيراني خيار التعاون والتفاهم والتخلص من اللغة المتشنجة، خاصة من الجانب الإيراني. ولكن السؤال الأهم الذي يقفز تلقائيا إلى ذهن كل من يفكر في هذا الاتجاه يتمثل في كيفية تحقق هذا التعايش القائم على الاحترام المتبادل بعيدا عن التدخل في شؤون الجانب الآخر.
أكاد أجزم أن طهران لن تواجه صعوبة كبيرة في التزام الدول العربية بحسن الجوار والالتزام بالمبادئ الأساسية والمواثيق الدولية لأي محاولات لردم الهوة بينها وبين الجانب الإيراني، إلا أن الجانب العربي والخليجي تحديدا، ولأسباب عدة، وتجارب كثيرة ومتنوعة، يبقى متوجسا من أي انفتاح على إيران ما لم تعترف إيران وبكل شجاعة بأخطاء الماضي والتعهد بفتح صفحة جديدة مع دول الخليج.
صفحة أساسها احترام استقلالية أراضي هذه الدول والتخلص من التعنت في حل القضايا العالقة وعلى رأسها قضية الجرز الإماراتية الثلاث والتوقف تماما عن تهديد أمن واستقرار مملكة البحرين ودعم الميليشيات الإرهابية في العراق ولبنان واليمن والسعودية، والأهم في نظري إيمان الساسة في طهران أن نجم تشكيل الإمبراطوريات ذات الدوافع القومية والنرجسية قد أفل كليّا، وأن التفكير في إعادة الماضي ضرب من الجنون وأحلام لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيقها على أرض الواقع، ناهيك عن إمكانية قبول العالم بتوجهات خيالية كهذه.
نستطيع التعايش مع إيران كما تعايشنا معها قبل ثورة 1979، فإيران دولة جارة يجمعنا بشعوبها روابط تاريخية ضاربة في عمق التاريخ، والأهم من ذلك أننا لا نستطيع استبدالها بجار أفضل. إن استعادة الثقة بين الجانبين وبنائها بكل شفافية ووضوح وتخلي إيران عن الغرور الطاؤوسي وإعادة تقييم الأوضاع بكل عقلانية وبعيدا كل البعد عن "الأنا المتضخمة" والنزعة القومية الجامحة؛ تساعد كثيرا في ترميم العلاقة بين الجانبين، مع ضرورة حل الملفات العالقة والمتراكمة من خلال الدخول في مفاوضات جادة وصادقة بعيدة كل البعد عن التصريحات الإعلامية الفضفاضة و"التقية السياسية" المعتادة وتبادل الأدوار بين الدولة والثورة.
إن الأمر في غاية الصعوبة والتعقيد ولكنه ليس مستحيلا ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة ثابتة وصادقة وراسخة نحو المستقبل الذي لا مفر منه، سواء في ظل وجود النظام السياسي القائم حاليا في إيران أو عدمه.
ختاما، لعلنا نهمس بهذه الكلمات في أذن من يدير الدفة السياسية في طهران ويتحكم في توجهاتها: إن "قاعدة" العداء للخارج لتأمين الداخل قد أثبتت فشلها تاريخيا، والتوجه الأكثر أمنا وفائدة يتمثل في مواجهة الاستحقاقات الداخلية بشجاعة والتصالح مع الخارج بنوايا صادقة، ومتى ما اهتز هذا التوازن أصبح التهديد مزدوجا، داخليا وخارجيا على حد سواء.

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.